فاطمة الشهري
12-04-2008, 12:22 AM
الحرب والقمع: المجزرة الفيتنامية
إذا كنا نعرف، بدرجة كافية من العمق، أبرز أحداث حرب فيتنام الاستعمارية، بين 1965 و1975، فإن الجمهور الكبير ما يزال يجهل، إلى حد بعيد، شروط حياة سكان الجنوب أثناء تلك الفترة تحت نير المحتل، أولاً، ثم في الفترة المسماة فترة «الفتنمة» التي افتتحها نيكسون عام 1969، بواسطة دميته تيو الذي سوف يتكشف، مدعوماً باللوجستية الأمريكية، عن كونه واحدا من أشد السجانين دموية في هذه المنطقة من العالم التي لم تبخل بهم، و الذي سوف سيهرب، بعد استقالة نيكسون عام 1974، في نيسان من ذلك العام أمام التقدم الحاسم والمظفر لجبهة التحرير الوطنية.
العمليات في الميدان
في عام 1963، أخذ تيو، مدعوماً من أيزنهاور، مكان دييم على رأس جنوب فيتنام إثر انقلاب عسكري. وولدت جبهة التحرير الوطني، مدعومة من شمال هو شي منيه، في البرهة نفسها، وزجت الولايات المتحدة، مع كينيدي ثم مع جونسون، ببلادها بكثافة في الحرب. وتلقى تيو الدعم أخيراً، من نيكسون الذي انتخب عام 1968 للرئاسة. وسوف يحل محل جونسون في بداية 1969.
إن تقدم الالتزام الأمريكي في الصراع، على صعيد الرجال كما على صعيد العتاد، ذو دلالة: في تموز 1965: 125 ألف رجل في الميدان،في كانون الأول من السنة نفسها: 185 ألفاً، وفي كانون الأول 1966: 390 ألفاً (مع 64 ألف حليف أسترالي وكوري وتايلندي)، وفي كانون الأول 1968: 580 ألفاً.
تضاف إلى هذه القوات 700 ألف جندي نظامي و200 ألف من ميليشيا الجنوب.
كان عدد المروحيات الأمريكية، آنذاك، 3500 مروحية. أما بالنسبة للغارات شمال خط العرض 17، فقد بدأت عام 1965 بصورة كثيفة انطلاقاً من مطارات تايلند وغوام. وسيكون الأمريكيون قد ألقوا، خلال ثلاث سنوات من القصف، من شباط 1965 إلى نيسان 1968، خمسمائة ألف طن من القنابل على الشمال ومائتي ألف طن على الجنوب. وفي ستة أشهر (1972) تم الوصول إلى المجموع الهائل لأربعمائة ألف طن من القنابل الملقاة. ولم تكن عمليات «التطهير» على الأرض أقل إجراماً وتخللتها أحداث دامية على نحو خاص، كمذبحة 500 فلاح في ماي لاي عام 1971 التي لم تكن، فيها، فصيلة الملازم كالاي المكلفة بمصالح العم سام، أقل شهرة، في المنطقة نفسها، مما فعلته فرقة الرايخ، في 10 حزيران 1944، في أورادور.
وبعد فصل إحلال أبرامز محل وستمورلاند، افتتح مؤتمر باريس في كانون الثاني 1969. فقد التزم نيكسون، الذي كان يلقى معارضة قوية في الداخل، بسياسة «فتمنة» تقوم على سحب القوات البرية الأمريكية مع تكثيف العمليات الجوية ودعم الوحدات الفيتنامية الجنوبية بالعتاد والدعم اللوجستي والبوليسي من أجل أن تنقل إليها أخطر العلميات.
وهكذا ارتفع عديد جيش الجنوب، عام 1972، إلى مليون ومائتي ألف جندي نظامي و600 ألف من رجال الميليشيا الذين جندوا، غالباً، بالضغط، كما سوف نرى. أما بالنسبة للقوات الجوية، فقد ارتفعت إلى أكثر من 2000 طائرة.
وبذريعة السيطرة على طرق تموين جبهة التحرير الوطني، تدخل الأمريكيون والفيتناميون الجنوبيون في كمبوديا عام 1970. أما بالنسبة للغارات على الشمال، فقد استؤنفت بكثافة منذ 1972، وخاصة على هايبونغ (مرفأ وصول السفن القادمة من الصين والاتحاد السوفياتي). ووقعت اتفاقيات باريس، أخيراً، في كانون الثاني 1973. واعتباراً من استقالة نيكسون (1974) وأمام الاحتجاج المتصاعد للرأي العام الأمريكي ضد الحرب، تخلت الولايات المتحدة عن تيو، جزار شعبه، الذي لم يعد يستطيع الاعتماد على نفسه. وقد هرب في 21 نيسان 1975 ليستمتع بتقاعد ذهبي لدى حماته. وفي 30 نيسان دخلت جبهة التحرير الوطني إلى سايغون.
القمع الداخلي
تذكر حصيلة رسمية أمريكية، خفض، فيها، التقدير كثيراً، حوالي 500 ألف مدني و200 ألف عسكري فيتنامي جنوبي قتلوا بين 1964 و1973، و55 ألف قتيل أمريكي. وهذه الأرقام التي تتعلق بالعمليات الحربية في الميدان لا تأخذ في اعتبارها عدداً أكبر بكثير من الجرحى والمقعدين مدى الحياة في المعسكرين، وبالطبع في شمال فيتنام. وقد بلغ عدد القتلى في صفوف الفيتكونغ في شمال فيتنام، على الأقل، 725 ألفاً بين 1964 و1973. وفضلاً عن ذلك، لا تذكر التقارير الأمريكية شيئاً عن ضحايا القمع الداخلي والإعدامات التعسفية في الجنوب. وكان هذا القمع، تحت نير تيو المدعوم باللوجستية الأمريكية، شرساً ودموياً على نحو خاص. فيجب، إذن، أن نضيف إلى القنابل والنابالم والفوسفور، كل المجموعة الإجرامية للسجون والتعذيب وسوء المعاملة وتدابير الضغط النفسي. وهذا الجهاز القمعي وطرائقه هو ما يدور الأمر، هنا، على ذكره بمزيد من الدقة.
في عام 1969، عدل نيكسون عن استعادة المناطق الريفية والجبلية المحررة. فأمر بالقصف المنتظم والمستمر لهذه المناطق مرغماً ملايين الفلاحين على الارتداد نحو المدن. وقد بسط نيكسون وتيو على هؤلاء السكان المجمعين بالقوة، لتسهيل تعبئة المرتزقة خاصة، نظام إرهاب.
كان الأمر يدور حول شل كل نشاط وطني بتصفية المناضلين والمشبوهين، باعتقال كل معارض حقيقي أو مفترض وإرهاب السكان وإجبارهم على قبول الإدارة التي تفرضها عليهم واشنطن. بل إن الضغط الجسدي والنفسي كان يرمي، كما هو المألوف في الأنظمة الديكتاتورية، إلى إرغام الوطنيين والمقاومين على التنكر لقناعاتهم لينتقلوا إلى خدمة المحتل.
ولهذا الغرض، أنشئ جهاز قمع كامل. فقد أنشئت شبكة كاملة من السجون ومعسكرات الاعتقال ونظام كامل للتعذيب الجسدي والمعنوي «حدث» هذا على أيدي خبراء وبمساعدة مالية وتقنية كثيفة من واشنطن. وقد استفيد من التجربة الاستعمارية الفرنسية والإنكليزية- خاصة مع روبرت تومبسون الذي رقي إلى مستشار أعلى لنيكسون- وجرى تحسينها من جانب الدوائر الأمريكية المتخصصة.
الأدوات
تشكلت شبكة بوليسية قمعية ومكتسحة تعمل على كل مستويات المجتمع الفيتنامي الجنوبي. وقد سمح لأكثر من دستة من الدوائر العسكرية والمدنية بإجراء اعتقالات. وفي عام 1971، فُصل البوليس عن الهيئات المدنية ليشكل قيادة عسكرية مستقلة. وكان رئيسه، الضابط في الجيش، يرتبط بالرئيس تيو مباشرة. وهذا التركيب بين البوليس المدني ووظائف عسكرية يعكس آراء روبرت تومبسون، أعلى مستشاري الرئيس نيكسون لقمع الانتفاضات.
وقد ارتفع عدد أفراد البوليس من 16000 رجل، عام 1963، إلى 120 ألفاً في نهاية 1972. وامتدت صلاحياته من تشكيل ملفات للأشخاص الذين تجاوزوا سن الخامسة عشرة إلى استجواب الأشخاص المعتقلين. وكان لديه فرع شبه عسكري ضد الفيتكونغ (دبابات ومدفعية) يضم 25 ألف فرد.
وكان البوليس الخاص، وهو فرع من السابق، مكلفاً بإبادة ملاكات جبهة التحرير الوطني وقمع الحركات السلمية والحيادية. وكان يمارس تعذيب المعتقلين بصورة شائعة. وتسجل لحسابه موجة اعتقالات كثيفة عام 1972.
كان البوليس يتلقى أوامره مباشرة من الرئاسة ووكالة الاستخبارات المركزية ورؤساء أركان جيش سايغون والقوات الأمريكية الخاصة. وكانت تحت أمرته 20 إدارة محلية تستخدم ما يتراوح بين 80 و120 شخصاً وتشغل 300 مكتب وجيشاً من المخبرين.
وخصص مكتب للأمن العسكري في كل وحدة للجيش تمتد دائرة تدخله إلى محيط المنشآت العسكرية.
وقد ارتبطت الدوائر السرية، مباشرة، بالرئيس تيو. وكانت تقوم بالاعتقالات، وتنفذ إعدامات سرية ضد أشخاص المعارضة البارزين مستخدمة، في الغالب، قتلة مأجورين.
ولم يكن البوليس، وحده، الذي يقوم بمهمة المراقبة والقمع، فكل السلطات اللامركزية كانت مدعوة إلى التعاون، طوعاً أو كرهاً. وكان الأمر كذلك بالنسبة للسلطات القروية لأن كل الإدارة، حتى مستوى البلدية، كانت معينة من سايغون. وفي المدن، كانت تجند ميليشيا شعبية بأسلحة أوتوماتيكية وبصورة رئيسية، من الأطفال العاطلين عن العمل الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و16 سنة وكانت مهمة هذه الميليشيات الرئيسية قمع مظاهرات الطلاب والتجمعات.
أما بالنسبة للجيش، فقد كانت له كل الحقوق، خاصة خارج المدن. فكان يمكن لكل جندي أن يعتقل ويستجوب من يشاء. وكانت تمارس كل الضغوط لحمل الفلاحين على الاعتراف بأنهم ينتمون إلى جبهة التحرير الوطني أو بأنهم يجمعون لها الأموال. واعتقل عدد كبير من المواطنين العاديين في «مراكز إسكان» خلال عمليات «البحث والهدم» التي كان يجريها الجيش الأمريكي والجيش الحكومي خلال حملات إخماد الفتن المسماة «فينيكس» أو «البجعة»، بوصفهم مشبوهين بالتعاطف مع جبهة التحرير الوطني.
وكان الحرس الوطني (فان دي) مؤلفاً من متطوعين أشد إرهاباً من الجنود. وبما أن أجورهم كانت ضئيلة (نصف أجر الجندي)، فقد كانوا يعيشون على استغلال سكان الأرياف ونهبهم. وكانوا يعملون تحت أمرة رئيس المقاطعة (عسكري) وكانت لهم سجونهم وقاعات التعذيب الخاصة بهم.
الإطار القانوني
لم تكن القوانين التي يفترض فيها أن تنظم إجراءات القمع سوى غطاء قانوني ظاهري للتعسف. فقد كان الإرهاب بالنسبة للسكان هو القاعدة اليومية.
وهكذا، تقول المادة الأولى من قانون العقوبات الجديد: «يوضع خارج القانون كل فرد أو حزب أو رابطة أو جمعية مدانة بأي عمل من أي شكل كان ينزع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تشجيع الحياد الشيوعي أو القريب من الشيوعي».
وتقول، أيضاً، المادة 17 من قانون الاعتقال الإداري: «يعاقب بالأشغال الشاقة كل فرد يقترف أي عمل يرمي إلى تقويض الروح المعادية للشيوعية لدى الأمة و إلى الإضرار بنضال الشعب وبقواته المسلحة».
وللتعويض عن انعدام الأدلة، يسمح مرسوم اشتراعي، باسم «الاعتقال الإداري» بالسجن دون محاكمة ودون استئناف. وتنص المادة 17 من هذا المرسوم (004/66) على أن كل شخص «يعد خطراً على الدفاع الوطني والأمن العام» يمكن أن يعتقل لفترة تصل إلى سنتين. وهذا القرار قابل للتجديد.وكان دوانغ دو نها، المستشار الشخصي للرئيس تيو، يستطيع أن يمتدح، مفتخراً، في 9 تشرين الثاني 1972، فعالية بوليسه المزود بهذه القوانين الاستثنائية،والقادر على أن يوقف، في أسبوعين، أكثر من 40 ألف شخص.
وفي حزيران 1972، اعتقل ألوف الأشخاص واقتيدوا إلى جزيرة كون سون- وهو اسم جديد لبولو كوندور، المنفى السيئ الذكر. ولم يكن الأمر يدور، في معظم الحالات، إلا حول آباء وزوجات مشبوهين سياسيين، كما ذكرت عدة صحف أمريكية (بوسطن غلوب، 24 حزيران 1972، نيويورك بوست، 28 حزيران 1972).
وفي الوقت نفسه، كان الضغط يمارس على المثقفين. ففي عام 1972، أوقفت معظم قيادات جامعتي هويه وسايغون (التايم، 10 تموز 1972).
وبصورة موازية لمعارك ربيع 1972 العنيفة على طول طريق هو شي مينه، جرت موجة اعتقالات لا سابق لها بين المدنيين: اعتقالات في أوساط الطلبة، أخذ رهائن من أسر المناضلين السياسيين المعروفين، توقيف مجموعات وطنية أو دينية معادية للحرب والاحتلال الأمريكي. وكانت ذريعة هذه الاعتقالات هي نفسها، دائماً، «التعاطف مع الشيوعيين»، ويجري تفسيرها بأوسع صورة.
السجن قبل الحكم
لم يكن الاعتقال سوى بداية مسار غالباً ما كان يقود إلى الموت. فكان يمكن لسجين أن يمضي سنوات في السجن في انتظار المحاكمة، لمجرد أن ملفه قد ضاع. وكانت هناك احتمالات كبيرة في أن يقاد السجين، قبل المحاكمة، إلى مركز استجواب سينتزع منه، هناك، بأسوأ الوسائل، إن لزم الأمر، الاعترافات الموقعة، اللازمة لإدانته. وكانت الطريقة مجربة.
وهكذا تشهد امرأة على سجنها في مركز اعتقال، لبوليس سايغون:
« كان يمكنك، أثناء استجوابك، أن تسمع الصرخات الثاقبة للذين كانوا يعذبونهم. وفي بعض الأحيان، يجعلونك تحضر عمليات التعذيب لإرهابك وإرغامك على الاعتراف بما كانوا يريدون.
وكانت امرأتان في زنزانتي حاملين. وقد ضربت إحداهما بعنف وتلقت الأخرى ضربات على ركبتيها اللتين أصيبتا بالإنتان.
وقد حاولت طالبة الانتحار بتحطيم قبضتيها على صنبور معدني في مغسل الثياب. ولكنها فشلت. وعذبت، إذ ذاك، بلف عصابة كثيفة من المطاط حول رأسها لضغطه. وكانت عيناها خارجتين من محجريها وتعاني آلام رأس فظيعة..» (نيويورك تايمز-13/8/72).
« إذا قالوا لا، اضربوهم إلى أن يقولوا نعم». تلك كانت القاعدة المعروفة لدى بوليس سايغون.
العدالة
لم تكن المحاكمات أقل تحيزاً من الإجراءات التي تسبقها. فقد كان المتهم بجنحة سياسية دون دفاع (وفوق ذلك دون محام) أمام كل القوة الحكومية وإدانته كانت شبه مؤكدة. وكان يمكن للمعتقل، ونتيجة الاستجوابات ومحتوى تقارير إدارة الاستخبارات، أن يقدم إلى محكمة عسكرية أو أن يرسل إلى لجنة أمن في المحافظات.
وكانت الأحكام بالأشغال الشاقة والسجن مدى الحياة والإعدام هي أغلب الأحكام الصادرة. وكانت القرارات سريعة وغير قابلة للاستئناف.
وكانت لجان المحافظات الأمنية تتميز بالتعسف. فإذا بدا لها «واضحاً» أن «المشبوه يشكل تهديداً على الأمن الوطني» بموجب إدراكها للموقف وموازين القوى، فإنها تستطيع أن تفرض توقيفه، إدارياً دون أن يكون عليها تبرير ذلك قانونياً.
كتب خبيران أمريكيان:
الشكل القانوني الذي نادراً ما جرى الالتزام به في فترة جنوب فيتنام الحديثة جرى التخلي عنه منذ بداية هجوم العدو. وعلى الرغم من أن الحكومة لم تعلن شيئاً، فإن القوانين الطبيعية التي تنظم حقوق المتهم، قد علقت (هولمز براون ودون لوس: رهائن حرب، 1972).
مراكز الاستجواب
كان سجناء فينيكس يرسلون إلى مراكز الاستجواب في المحافظات. وكان التعذيب، في هذه المراكز، يطبق بالصورة «الإدارية» نفسها التي كان عليها «السؤال» في السجون الملكية الفرنسية.
وقد تسربت روايات حتى إلى الصحافة الأمريكية، مثل الروايات المجتزأة التالية:
«ضربت نغوين تي ين حتى الإغماء بحطبة. وعندما استعادت وعيها، أرغمت على البقاء واقفة، عارية، أمام عشرة جلادين أحرقوا ثدييها بالسجائر».
«فو تي باخ ضربت وعلقت من قدميها تحت نور باهر. ثم حبست في زنزانة ضيقة نصف مغمورة بالمياه، وكانت الفئران والحشرات تتسلق جسدها» (نيويورك تايمز، 13 آب 1973).
وهاتان شهادتان أكدتهما شهادات أخرى. فعلى حد قول عدد 6 تموز 1972 من جريدة ديسباتش نيوز سيرفيس إنترناشيونال، «عانى أكثر من 90% من المعتقلين استجوابات عنيفة شملت الضرب بالعصي وشحنات كهربائية واقتلاع أظافر وحقن بماء صابون».
وشهد طبيب أمريكي أمام اللجنة الفرعية للكونغرس، في 17 تموز 1970، بأنه فحص سجناء جرى تعذيبهم. فقد أصيب رئيس الرابطة الوطنية لطلاب جنوب فيتنام، هوين تان مام بالشلل، وأصبح أصم وأعمى إثر التعذيب الذي عاناه. وكذلك، فقد رئيس رابطة التعليم الثانوي، لو فان نوي، القدرة على استعمال ساقيه إثر عدة جلسات ضرب بالعصي.
واشترك أمريكيون في الأنشطة «المضادة للتخريب» لمراكز استجواب المحافظات. ويقول الصحفي تيودور جاكني أن لمراكز استجواب المحافظات صلات مع نظيراتها في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وغالباً مع مستشاري بوليس المساعدة (مساعدة تيو، 1972).
السجون
زادت سياسة الإرهاب المنظم التي مارستها الحكومة الفيتنامية الجنوبية وحليفها الأمريكي عنفاً لكونها لم تفلح في كسب دعم السكان ولا حتى في حيادهم. وكان السلاح الكبير المستعمل هو النفي الجماعي. وكان حظر الإقامة وحصر السكان يمارس من جانب نظام تيو. وكانت سفن مزدحمة بركابها تنقل نساء وأطفالاً وشيوخاً، إلى جزيرة كون سون دون محاكمة. وبلغ عددهم 1500 خلال شهر نيسان 1972 وحده (على حد قول جريدة لوموند في 19 كانون الثاني 1973). وتبعهم مثقفون وبوذيون وطلاب من هويه.
ولا يعرف، بوجه عام، شيئ عن الأشخاص المختفين. فلم يظهر على أية «دائرة» أنها صالحة لتقديم معلومات. والواقع هو أن السر كان القاعدة وكان يغطي نظام إبعاد وإلغاء للمعارضين ونظام قمعهم.
وهكذا، وبعيداً عن استيهامات فيلم «القيامة الآن» الرومانسية- العدمية، كانت آلة سحق تعمل في الظل ولا تخلو من التذكير، من عدة جوانب، بصناعة الموت النازية.
ففي عام 1970، وبموجب ما يذكره مصدر رسمي أمريكي، كان هناك ما يقرب من 100 ألف سجين في سجون جنوب فيتنام (دورة الكونغرس، تموز-آب 1970). وخلال السنة نفسها، كما تقول جريدة لوموند (10 تشرين الثاني 1971)، كان هناك 153 ألف اعتقال.
وتسمح مضاعفة الموازنة الأمريكية المخصصة للسجون، عام 1972، باستنتاج كون عدد السجون قد تضاعف، هو أيضاً. وفي عام 1973، انضم ألوف من السجناء الجدد إلى سجون تيو. وتبدو الأرقام الأمريكية أقل من الواقع بكثير. فقد أعلنت الصحافة، عام 1973، أنه كان هناك حوالي 400 ألف سجين في جملة نظام السجون الفيتنامية الجنوبية. أما بالنسبة لمنظمة العفو الدولية، فقد كانوا «200 ألفاً على الأقل» (تشرين الثاني 1972).
وكان هناك أكثر من ألف اعتقال رسمي وسري في جنوب فيتنام. وكان يوجد منها في كل المدن وفي كل المحافظات وفي كل المقاطعات. وأشهرها كون سون أو كون داو (بولو كوندور سابقاً) وشي هوا في ضاحية سايغون وتودوك وتان هييب وكاي دوا (على جزيرة فوكوك، بالقرب من الحدود الكمبودية).
أما الطريقة التي كان يعامل بها المساجين والمعروفة من الأمريكيين- ولا سيما أن ضباطاً من الجيش كانوا يعملون في السجون في تعاون وثيق مع الفيتناميين الجنوبيين- فهي تذكر بالطرائق النازية. كان السجناء يعانون سوء التغذية والازدحام والتدهور الجسدي والمعنوي المنتظم.
أقفاص النمور
يقع «مركز كون سون الوطني للإصلاح» كما كانت تسميه، إيجابياً، السلطات الفيتنامية الجنوبية، على جزيرة فردوسية في بحر الصين، على بعد حوالي 200 كيلومتر من سايغون. وقد بناه الفرنسيون عام 1862 ليكون مستعمرة عقابية. وهو معروف، منذ زمن طويل، باسم «جزيرة الشيطان». وكانت «أقفاص النمور»، في المعسكر رقم 4، إحدى زهراتها. وقد أنكرت السلطات الأمريكية والفيتنامية الجنوبية، على حد سواء، لزمن طويل، وجودها، ولكننا ندين بوصف نموذجي لها للصحافي الأمريكي دون لوس الذي أشرنا إليه سابقاً والذي نشر ريبورتاجه في عدة صحف أمريكية.
ففي قطاع معزول من المعسكر، مخفي عن الزوار الرسميين، توجد زنزانات صغيرة دون سقوف يراقبها الحراس من فوق، عبر فتحة محمية بشباك. وفي كل واحدة من هذه الحجيرات الحجرية التي لا تكاد تبلغ مترين ونصف المتر، طولاً، ومتراً ونصف المتر عرضاً، كان يتكدس ثلاثة أو أربعة سجناء. وكان هناك دلو صحي خشبي يفرغ مرة في اليوم. وكان السجناء يحملون آثار ضربات وجروح وقد فقدوا بضعة أصابع، وكانوا في حالة إنهاك تمنعهم من الوقوف.
وكان دلو مملوء بالكلس فوق كل زنزانة يسمح للحراس بـ«تهدئة» احتجاجات السجناء الذين يطلبون أن يأكلوا، فيرشونهم بالكلس الحامي الذي يغطي الأرض أيضاً. وبمثل هذه المعاملة، كان السجناء يبصقون الدم ويصابون بالسل وأمراض العيون والجلد.
وكان مبنى مجاور يؤوي أقفاص نمور مماثلة من أجل النساء. وكان عددهن خمساً في كل حجيرة. وكانت أصغر السجينات سناً في الخامسة عشرة من عمرها، وأكبرهن سناً كانت عمياء في السبعين.
وكان الحراس ينشرون الإرهاب ويتكالبون على الأضعف لدى أدنى شكوى. وكان السجناء يبقون، خارج الزيارات الرسمية، مقيدين بقضبان تجتاز الجدران، 24 ساعة على 24، حتى خلال وجبات الطعام والنوم والاغتسال مع منع الجلوس. وكان سقف القرميد البالي يدع الماء يمر عندما تمطر، وكانت الأقذار تتكدس على الأرضية غير المسواة.
وكان الحديد المستعمل في كون سون مصنوعاً في شركة سميث وويسون من سبنغفلد، ماساتشوستس. ولم تكن القضبان محكمة الصنع وملساء (كما هي قضبان الاستعمار الفرنسي)، بل كانت مصنوعة من حديد ف 8، وهو مادة بناء. وكانت تبرز منها نتوءات حادة تخترق لحم الأقدام وتسبب عذاباً حقيقياً.
وقد تعفن حوالي 500 سجين وسجينة، خلال شهور طويلة، وسنوات طويلة، في أقفاص النمور. وكانوا، في جملة المعسكر، أكثر من عشرة آلاف.
وكان السجناء، عندما لا يكونون في أقفاص النمور، يستمتعون بضيافة «أقفاص الثيران» المرتبة في إسطبلات قديمة للإدارة الفرنسية. وهي لا تختلف إلا بحجمها وعدد المقيمين فيها الذين يتكدسون، فيها، أي حوالي عشرين خاضعين للنظام السابق نفسه.
وتضاف إلى النظام العام، وهو لا يطاق في حد ذاته، ممارسات أخرى لمنع السجناء من التغذي: فقد كان لهم ثلاث دقائق للأكل، وكانت حصى صغيرة تمزج بالرز، وكان السمك فاسداً. وكانت هناك ندرة كاملة في الخضار. وبلغت المجاعة حداً كان السجناء يتغذون، معه، بالحشرات والديدان والبعوض التي كانت، فضلاً عن ذلك، المصدر الوحيد للبروتين.
ومن ناحية السجانين- عددهم أكثر من 100 في بولو كوندور-، فقد كانت الإدارة متساهلة تسمح بأن ينتشر بينهم إدمان الأفيون والفسق (كانت الإدارة تستقدم، بانتظام، قوافل مومسات من الساحل) والقمار والاغتصاب والقتل التي كانت تمارس بحرية. ومن البديهي أن السجناء كانوا يجردون من مالهم في الوقت نفسه الذي تنزع عنهم، ملابسهم لدى وصولهم. وكان بعض الحراس يقومون بتصفيات حساب داخل المعسكر لتملك المال المتراكم بهذه الطريقة، وجمع بعضهم ثروات تتراوح بين 400 ألف و500 ألف قرش. وكما في المعسكرات النازية، كان سجناء الحق العام يستخدمون، طواعية، كجلادين مساعدين.
ولم تكن الحال في شي هوا، قرب سايغون، أفضل. ففي 16 تموز 1968، حين كان مديره نغوين فان أمر رئيس «اختصاصيي» إدارة السجون، لو فان كوونغ (أو شي كوونغ) بنقل 120 سجيناً مريضاً، مسلولين أو مشلولين أو قطعت أطرافهم في «أقفاص الجواميس». وسوف تحمل منطقة أقفاص الجواميس، منذ ذلك الحين، اسم «معسكر النقاهة». وقد حشر السجناء المائة والعشرون الذين لم يعالجوا كما كانوا يأملون في زنزانات طول الواحدة منها 12 متراً وعرضها 8 أمتار. وكان للواحد منهم أقل من متر مربع واحد للاستلقاء. ولم يعد للسجناء، بعد أن رفضوا الأشغال الشاقة، ما يأكلونه سوى الرز والنووك مام (صلصة حامضة). وخلال شهرين أصيب 50% من السجناء بالهزال الناجم عن نقص الفيتامينات نتيجة لنقص الخضار الطازجة (ديبري ومانرا, ناجون من سجون سايغون).
وكان في تودوك سجن للنساء، وكن يكهربن ويعذبن بالماء ويضربن حتى الموت من قبل وحوش مخمورة. وكانت الضحية تعلق من قبضتيها بعمود، ثم تضرب بهراوة حتى الإغماء على أيدي ستة أو سبعة من رجال البوليس (كان هذا يسمى «السفر بالطائرة»). وقد فقدت الكثيرات منهن القدرة على استعمال سيقانهن بعد هذه المعاملة. وكانوا يستبيحون بصورة خاصة الطالبات والفتيات اللواتي كن موضوعاً لاغتصاب جماعي (مدرسة سايغون العليا للتربية، 4 تموز 1970).
وفي تان هييب، جمع حوالي 1500 من السجناء الدائمين الذين... لا شيء يؤخذ عليهم، عدا كونهم قد اعتقلوا من قبل القوات الأمريكية خلال عملية. وكان الأمر يدور، بصورة أساسية، حول فلاحين تعفنوا في سجونهم لسنوات، أحياناً، دون محاكمة، ينتقلون من سجن إلى آخر جاهلين، دائماً، كل شيء عن أسباب اعتقالهم. وغالباً ما قطع رجال الشرطة أصابع السجناء وآذانهم بضربات ساطور. وقد عذب الدكتور تران ترونغ تشو، في كاي دوا، بالأقطاب الكهربائية حتى فقد الوعي. «كنت محبوساً في زنزانة تكاد مساحتها لا تبلغ ثلاثة أمتار مربعة. وكنت آكل وأقضي حاجتي فيها. وعندما كانت الأمطار تهطل غزيرة، كان الماء يتسرب فيضاً، وكانت فضلاتي تعوم فوقه في كل مكان. وكان علي أن أبقى واقفاً وظهري إلى الجدار دون أن أستطيع التمدد للنوم». (1971).
ويصعب تقدير الرقم الكبير للذين ماتوا ضحايا لنظام تيو والأمريكيين في جنوب فيتنام. وقد تسربت بعض الأرقام. ففي عام 1971، مات 147 سجيناً في معسكر فو كوك نتيجة للمعاملة السيئة، ومات، كذلك، 125، بين كانون الثاني وأيار 1972، نتيجة لانعدام العناية الطبية. واعتباراً من 15 أيلول 1971، سمحت أوامر خاصة للشرطة العسكرية بإطلاق النار على السجناء دون سابق إنذار. وسرعان ما نجم عن ذلك 200 قتيل وجريح. وقد انتحر عدة سجناء بفتح بطونهم (أخبار فيتنام، الأول من آذار 1973، كندا).
وحوالي نهاية 1972، قام نظام تيو، نظراً لضروب تقدم مؤتمر باريس، بحملة إبادة في المعسكرات. فإذا كان يريد فعلاً أن يأمل في البقاء سياسياً بعد وقف إطلاق النار، فيجب أن يزيل كل الذين عاشوا في سجونه والذين سيستطيعون أن يرووا ما رأوه. وأعاق توقيع اتفاق باريس، في كانون الثاني 1973، هذه المشاريع جزئياً. ومع ذلك، فقد أزالت إدارة سايغون ألوف السجناء في كون داو. وغالباً ما كان يقال عنهم أنهم قد «حرروا». ومصيرهم مجهول، بديهياً، تماماً. «كان مصير حوالي 200 ألف سجين في سجون تيو يتقرر في هذه البرهة (نغوين دين تيه، باريس، 21 آذار 1973).
وقد احتلت مساعدة الولايات المتحدة للبوليس مكانة أولية. في الترتيبات الأمريكية في جنوب فيتنام. وكانت تقوم على تمويل جهاز القمع لنظام سايغون دون حساب، وإعالة جهازه المتخصص وإجراء علميات بواسطة هيئة من «المستشارين» الدائمي الحضور.
وكما هو مألوف، يفوض الاستعمار أشد عناصر البلد المحتل فساداً بالمهمات الحقيرة مفضلاً أن يبقى في الظل ليحرك الخيوط ولا يجلب عليه الاستياء المباشر إلى درجة أعلى مما ينبغي للمدافعين عن حقوق الإنسان.
ومع ذلك، فإن الأدلة على تورط الأمريكيين في أبشع حملات التعذيب والاعتقال والإبادة غزيرة. فهم لم يكتفوا بقصف شمال فيتنام لسنوات، وبوضع أغلبية جنوب فيتنام في النار والدم، وبحرق عشرات الألوف من الأبرياء بالنابالم، وبإيقاع المجاعة لدى ملايين الفلاحين خلال حرب المساحة، بل إن الاستعمار الأمريكي الجدي شن حرباً أخرى ماكرة ودموية ضد المقاومة الوطنية والسياسية لشعب كامل مضطهد.
وكما اعترف ناطق باسم وكالة التنمية الدولية: «دعمت الوكالة برنامج الأمن العام في جنوب فيتنام اعتباراً من 1955. وكانت مهمة الوكالة تقوم على مساعدة البوليس الوطني في تجنيد قوة لحفظ القانون والنظام وتدريبها وتنظيمها. وفي المجموع، عمل أكثر من 7000 أمريكي في جنوب فيتنام». (استماع حول المساعدة الأمريكية).
وقد أنفق بين 1968 و1971، أكثر من 100 مليون دولار موزعة بين وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع ووكالة التنمية الدولية. وقد تم بواسطتها تجديد النظام البوليسي الفيتنامي كلياً في بضع سنوات. ومن 300 ألف فيتنامي كانوا يتولون «حفظ النظام» عام 1972، كان 122 ألفاً، فقط، يتقاضون رواتبهم من خزينة سايغون. وكان الآخرون يتقاضون رواتبهم من العم سام. وكان هناك، أيضاً، عدد كبير من العملاء السريين للبوليس السياسي المرتبط، مباشرة، بوكالة المخابرات المركزية.
وقد حددت وكالة التنمية الدولية، لدى طلبها اعتماداً بثلاثة وثلاثين مليون دولار للسنة المالية 1972، لمصلحة البوليس الوطني (بما فيها 22 مليوناً من موازنة البنتاغون)، عام 1971، قائلة: «البوليس الوطني الفيتنامي، وهو أحد وجوه الفتنمة، مدعو إلى أن يتولى، تدريجياً، مهمة أثقل.ألا وهو تقاسم عبء النضال المعادي للثوريين مع القوات المسلحة الفيتنامية الجنوبية والسهر على السلام والنظام اليوميين في المدن والأرياف. وسوف يرفع عدده الحالي (100 ألف) إلى 120 ألف رجل خلال السنة الحالية للسماح له بتولي مسؤولية أكبر في المستقبل. كما أن مساعدة أمريكية مناسبة أمر متوقع» (مايكل ت.كلير، حرب لا نهاية لها، 1972).
وعلى الرغم من هذه الوقائع الرقمية، لم تتوقف الحكومة الأمريكية عن الادعاء بأن معاملة السجناء كان شأناً داخلياً لجنوب فيتنام. ومع ذلك، وكما كتب الصحفيان هولمز براون ودون لوس: «لقد خلقنا حكومة دييم وخلعناها. لقد قصفنا، دون إذن، بلادهم و«كشطنا جلدها»، إلا أننا، احتراماً منا لاستقلالهم، نسمح لهم بإساءة معاملة سجنائهم».
وبعد أن كشف مراقبان أمريكيان عن وجود «أقفاص النمور»، شرعت حكومة سايغون في بناء زنزانات انفرادية جديدة. وكان على السجناء أن يكونوا اليد العاملة الإجبارية. وأمام رفضهم، أرغمت وكالة التنمية الدولية على توقيع عقد بأربعمائة ألف دولار مع شركة أمريكية (استماع حول المساعدة الأمريكية).
والأمريكيون، ويجب أن نعترف بذلك، معلمون في فن الاستجواب والتعذيب. «فمراكز الاستجواب التي يديرها أمريكيون مشهورة بطريقتها «المرهفة» في التعذيب» (نغو كون دوك، لوموند، 3 كانون الثاني 1973).
وبعد اتفاقات باريس، سوف يتابع الأمريكيون تمويل بوليس تيو. وقد طلبت وكالة التنمية الدولية إلى الكونغرس 18 مليون دولار ومن وزارة الدفاع الضعف تقريباً (واشنطن بوست، شباط 1973). إن «المساعدة الأمريكية بالرجال والدولارات هي، وحدها، التي تسمح لتيو بمواصلة الاعتقالات والسجن وتعذيب السجناء السياسيين وذبحهم» (سجناء سايغون، الولايات المتحدة، 1973). وقد اعترفت الصحافة الأمريكية ببقاء 20 ألف «مستشار مدني» بعد انسحاب القوات النظامية إثر توقيع الاتفاقيات كما وأن «عملية فينيكس- التي سرعان ما حل محلها «برنامج ف 26» لمتابعة الأهداف نفسها- برنامج رعته وكالة المخابرات المركزية لمحو خصوم تيو والمشبوهين، كانت ما تزال في أوجها».
ولندع الخاتمة لصحفي أمريكي، مايكل كلير (أثناء مراقبة الإمبراطورية المثلثة القارات، العدد 1، 1972): إن «المساعدة وإدارة قسم الأمن العام ناميتان إلى درجة يمكن معها، في الواقع، جيداً جداً، للبوليس الوطني أن يعد قوة مرتزقة للولايات المتحدة أكثر منه مؤسسة محلية».
فرانسوا دوريفري
فرانسوا دويرفري رسام، مؤلف عدة مقالات في علم الجمال والنقد، السكرتير العام لمجلة دفاتر علم الجمال (1988-1997). وهو، حالياً، مساعد رئيس تحرير مجلة إنترفنسيون.
إذا كنا نعرف، بدرجة كافية من العمق، أبرز أحداث حرب فيتنام الاستعمارية، بين 1965 و1975، فإن الجمهور الكبير ما يزال يجهل، إلى حد بعيد، شروط حياة سكان الجنوب أثناء تلك الفترة تحت نير المحتل، أولاً، ثم في الفترة المسماة فترة «الفتنمة» التي افتتحها نيكسون عام 1969، بواسطة دميته تيو الذي سوف يتكشف، مدعوماً باللوجستية الأمريكية، عن كونه واحدا من أشد السجانين دموية في هذه المنطقة من العالم التي لم تبخل بهم، و الذي سوف سيهرب، بعد استقالة نيكسون عام 1974، في نيسان من ذلك العام أمام التقدم الحاسم والمظفر لجبهة التحرير الوطنية.
العمليات في الميدان
في عام 1963، أخذ تيو، مدعوماً من أيزنهاور، مكان دييم على رأس جنوب فيتنام إثر انقلاب عسكري. وولدت جبهة التحرير الوطني، مدعومة من شمال هو شي منيه، في البرهة نفسها، وزجت الولايات المتحدة، مع كينيدي ثم مع جونسون، ببلادها بكثافة في الحرب. وتلقى تيو الدعم أخيراً، من نيكسون الذي انتخب عام 1968 للرئاسة. وسوف يحل محل جونسون في بداية 1969.
إن تقدم الالتزام الأمريكي في الصراع، على صعيد الرجال كما على صعيد العتاد، ذو دلالة: في تموز 1965: 125 ألف رجل في الميدان،في كانون الأول من السنة نفسها: 185 ألفاً، وفي كانون الأول 1966: 390 ألفاً (مع 64 ألف حليف أسترالي وكوري وتايلندي)، وفي كانون الأول 1968: 580 ألفاً.
تضاف إلى هذه القوات 700 ألف جندي نظامي و200 ألف من ميليشيا الجنوب.
كان عدد المروحيات الأمريكية، آنذاك، 3500 مروحية. أما بالنسبة للغارات شمال خط العرض 17، فقد بدأت عام 1965 بصورة كثيفة انطلاقاً من مطارات تايلند وغوام. وسيكون الأمريكيون قد ألقوا، خلال ثلاث سنوات من القصف، من شباط 1965 إلى نيسان 1968، خمسمائة ألف طن من القنابل على الشمال ومائتي ألف طن على الجنوب. وفي ستة أشهر (1972) تم الوصول إلى المجموع الهائل لأربعمائة ألف طن من القنابل الملقاة. ولم تكن عمليات «التطهير» على الأرض أقل إجراماً وتخللتها أحداث دامية على نحو خاص، كمذبحة 500 فلاح في ماي لاي عام 1971 التي لم تكن، فيها، فصيلة الملازم كالاي المكلفة بمصالح العم سام، أقل شهرة، في المنطقة نفسها، مما فعلته فرقة الرايخ، في 10 حزيران 1944، في أورادور.
وبعد فصل إحلال أبرامز محل وستمورلاند، افتتح مؤتمر باريس في كانون الثاني 1969. فقد التزم نيكسون، الذي كان يلقى معارضة قوية في الداخل، بسياسة «فتمنة» تقوم على سحب القوات البرية الأمريكية مع تكثيف العمليات الجوية ودعم الوحدات الفيتنامية الجنوبية بالعتاد والدعم اللوجستي والبوليسي من أجل أن تنقل إليها أخطر العلميات.
وهكذا ارتفع عديد جيش الجنوب، عام 1972، إلى مليون ومائتي ألف جندي نظامي و600 ألف من رجال الميليشيا الذين جندوا، غالباً، بالضغط، كما سوف نرى. أما بالنسبة للقوات الجوية، فقد ارتفعت إلى أكثر من 2000 طائرة.
وبذريعة السيطرة على طرق تموين جبهة التحرير الوطني، تدخل الأمريكيون والفيتناميون الجنوبيون في كمبوديا عام 1970. أما بالنسبة للغارات على الشمال، فقد استؤنفت بكثافة منذ 1972، وخاصة على هايبونغ (مرفأ وصول السفن القادمة من الصين والاتحاد السوفياتي). ووقعت اتفاقيات باريس، أخيراً، في كانون الثاني 1973. واعتباراً من استقالة نيكسون (1974) وأمام الاحتجاج المتصاعد للرأي العام الأمريكي ضد الحرب، تخلت الولايات المتحدة عن تيو، جزار شعبه، الذي لم يعد يستطيع الاعتماد على نفسه. وقد هرب في 21 نيسان 1975 ليستمتع بتقاعد ذهبي لدى حماته. وفي 30 نيسان دخلت جبهة التحرير الوطني إلى سايغون.
القمع الداخلي
تذكر حصيلة رسمية أمريكية، خفض، فيها، التقدير كثيراً، حوالي 500 ألف مدني و200 ألف عسكري فيتنامي جنوبي قتلوا بين 1964 و1973، و55 ألف قتيل أمريكي. وهذه الأرقام التي تتعلق بالعمليات الحربية في الميدان لا تأخذ في اعتبارها عدداً أكبر بكثير من الجرحى والمقعدين مدى الحياة في المعسكرين، وبالطبع في شمال فيتنام. وقد بلغ عدد القتلى في صفوف الفيتكونغ في شمال فيتنام، على الأقل، 725 ألفاً بين 1964 و1973. وفضلاً عن ذلك، لا تذكر التقارير الأمريكية شيئاً عن ضحايا القمع الداخلي والإعدامات التعسفية في الجنوب. وكان هذا القمع، تحت نير تيو المدعوم باللوجستية الأمريكية، شرساً ودموياً على نحو خاص. فيجب، إذن، أن نضيف إلى القنابل والنابالم والفوسفور، كل المجموعة الإجرامية للسجون والتعذيب وسوء المعاملة وتدابير الضغط النفسي. وهذا الجهاز القمعي وطرائقه هو ما يدور الأمر، هنا، على ذكره بمزيد من الدقة.
في عام 1969، عدل نيكسون عن استعادة المناطق الريفية والجبلية المحررة. فأمر بالقصف المنتظم والمستمر لهذه المناطق مرغماً ملايين الفلاحين على الارتداد نحو المدن. وقد بسط نيكسون وتيو على هؤلاء السكان المجمعين بالقوة، لتسهيل تعبئة المرتزقة خاصة، نظام إرهاب.
كان الأمر يدور حول شل كل نشاط وطني بتصفية المناضلين والمشبوهين، باعتقال كل معارض حقيقي أو مفترض وإرهاب السكان وإجبارهم على قبول الإدارة التي تفرضها عليهم واشنطن. بل إن الضغط الجسدي والنفسي كان يرمي، كما هو المألوف في الأنظمة الديكتاتورية، إلى إرغام الوطنيين والمقاومين على التنكر لقناعاتهم لينتقلوا إلى خدمة المحتل.
ولهذا الغرض، أنشئ جهاز قمع كامل. فقد أنشئت شبكة كاملة من السجون ومعسكرات الاعتقال ونظام كامل للتعذيب الجسدي والمعنوي «حدث» هذا على أيدي خبراء وبمساعدة مالية وتقنية كثيفة من واشنطن. وقد استفيد من التجربة الاستعمارية الفرنسية والإنكليزية- خاصة مع روبرت تومبسون الذي رقي إلى مستشار أعلى لنيكسون- وجرى تحسينها من جانب الدوائر الأمريكية المتخصصة.
الأدوات
تشكلت شبكة بوليسية قمعية ومكتسحة تعمل على كل مستويات المجتمع الفيتنامي الجنوبي. وقد سمح لأكثر من دستة من الدوائر العسكرية والمدنية بإجراء اعتقالات. وفي عام 1971، فُصل البوليس عن الهيئات المدنية ليشكل قيادة عسكرية مستقلة. وكان رئيسه، الضابط في الجيش، يرتبط بالرئيس تيو مباشرة. وهذا التركيب بين البوليس المدني ووظائف عسكرية يعكس آراء روبرت تومبسون، أعلى مستشاري الرئيس نيكسون لقمع الانتفاضات.
وقد ارتفع عدد أفراد البوليس من 16000 رجل، عام 1963، إلى 120 ألفاً في نهاية 1972. وامتدت صلاحياته من تشكيل ملفات للأشخاص الذين تجاوزوا سن الخامسة عشرة إلى استجواب الأشخاص المعتقلين. وكان لديه فرع شبه عسكري ضد الفيتكونغ (دبابات ومدفعية) يضم 25 ألف فرد.
وكان البوليس الخاص، وهو فرع من السابق، مكلفاً بإبادة ملاكات جبهة التحرير الوطني وقمع الحركات السلمية والحيادية. وكان يمارس تعذيب المعتقلين بصورة شائعة. وتسجل لحسابه موجة اعتقالات كثيفة عام 1972.
كان البوليس يتلقى أوامره مباشرة من الرئاسة ووكالة الاستخبارات المركزية ورؤساء أركان جيش سايغون والقوات الأمريكية الخاصة. وكانت تحت أمرته 20 إدارة محلية تستخدم ما يتراوح بين 80 و120 شخصاً وتشغل 300 مكتب وجيشاً من المخبرين.
وخصص مكتب للأمن العسكري في كل وحدة للجيش تمتد دائرة تدخله إلى محيط المنشآت العسكرية.
وقد ارتبطت الدوائر السرية، مباشرة، بالرئيس تيو. وكانت تقوم بالاعتقالات، وتنفذ إعدامات سرية ضد أشخاص المعارضة البارزين مستخدمة، في الغالب، قتلة مأجورين.
ولم يكن البوليس، وحده، الذي يقوم بمهمة المراقبة والقمع، فكل السلطات اللامركزية كانت مدعوة إلى التعاون، طوعاً أو كرهاً. وكان الأمر كذلك بالنسبة للسلطات القروية لأن كل الإدارة، حتى مستوى البلدية، كانت معينة من سايغون. وفي المدن، كانت تجند ميليشيا شعبية بأسلحة أوتوماتيكية وبصورة رئيسية، من الأطفال العاطلين عن العمل الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و16 سنة وكانت مهمة هذه الميليشيات الرئيسية قمع مظاهرات الطلاب والتجمعات.
أما بالنسبة للجيش، فقد كانت له كل الحقوق، خاصة خارج المدن. فكان يمكن لكل جندي أن يعتقل ويستجوب من يشاء. وكانت تمارس كل الضغوط لحمل الفلاحين على الاعتراف بأنهم ينتمون إلى جبهة التحرير الوطني أو بأنهم يجمعون لها الأموال. واعتقل عدد كبير من المواطنين العاديين في «مراكز إسكان» خلال عمليات «البحث والهدم» التي كان يجريها الجيش الأمريكي والجيش الحكومي خلال حملات إخماد الفتن المسماة «فينيكس» أو «البجعة»، بوصفهم مشبوهين بالتعاطف مع جبهة التحرير الوطني.
وكان الحرس الوطني (فان دي) مؤلفاً من متطوعين أشد إرهاباً من الجنود. وبما أن أجورهم كانت ضئيلة (نصف أجر الجندي)، فقد كانوا يعيشون على استغلال سكان الأرياف ونهبهم. وكانوا يعملون تحت أمرة رئيس المقاطعة (عسكري) وكانت لهم سجونهم وقاعات التعذيب الخاصة بهم.
الإطار القانوني
لم تكن القوانين التي يفترض فيها أن تنظم إجراءات القمع سوى غطاء قانوني ظاهري للتعسف. فقد كان الإرهاب بالنسبة للسكان هو القاعدة اليومية.
وهكذا، تقول المادة الأولى من قانون العقوبات الجديد: «يوضع خارج القانون كل فرد أو حزب أو رابطة أو جمعية مدانة بأي عمل من أي شكل كان ينزع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تشجيع الحياد الشيوعي أو القريب من الشيوعي».
وتقول، أيضاً، المادة 17 من قانون الاعتقال الإداري: «يعاقب بالأشغال الشاقة كل فرد يقترف أي عمل يرمي إلى تقويض الروح المعادية للشيوعية لدى الأمة و إلى الإضرار بنضال الشعب وبقواته المسلحة».
وللتعويض عن انعدام الأدلة، يسمح مرسوم اشتراعي، باسم «الاعتقال الإداري» بالسجن دون محاكمة ودون استئناف. وتنص المادة 17 من هذا المرسوم (004/66) على أن كل شخص «يعد خطراً على الدفاع الوطني والأمن العام» يمكن أن يعتقل لفترة تصل إلى سنتين. وهذا القرار قابل للتجديد.وكان دوانغ دو نها، المستشار الشخصي للرئيس تيو، يستطيع أن يمتدح، مفتخراً، في 9 تشرين الثاني 1972، فعالية بوليسه المزود بهذه القوانين الاستثنائية،والقادر على أن يوقف، في أسبوعين، أكثر من 40 ألف شخص.
وفي حزيران 1972، اعتقل ألوف الأشخاص واقتيدوا إلى جزيرة كون سون- وهو اسم جديد لبولو كوندور، المنفى السيئ الذكر. ولم يكن الأمر يدور، في معظم الحالات، إلا حول آباء وزوجات مشبوهين سياسيين، كما ذكرت عدة صحف أمريكية (بوسطن غلوب، 24 حزيران 1972، نيويورك بوست، 28 حزيران 1972).
وفي الوقت نفسه، كان الضغط يمارس على المثقفين. ففي عام 1972، أوقفت معظم قيادات جامعتي هويه وسايغون (التايم، 10 تموز 1972).
وبصورة موازية لمعارك ربيع 1972 العنيفة على طول طريق هو شي مينه، جرت موجة اعتقالات لا سابق لها بين المدنيين: اعتقالات في أوساط الطلبة، أخذ رهائن من أسر المناضلين السياسيين المعروفين، توقيف مجموعات وطنية أو دينية معادية للحرب والاحتلال الأمريكي. وكانت ذريعة هذه الاعتقالات هي نفسها، دائماً، «التعاطف مع الشيوعيين»، ويجري تفسيرها بأوسع صورة.
السجن قبل الحكم
لم يكن الاعتقال سوى بداية مسار غالباً ما كان يقود إلى الموت. فكان يمكن لسجين أن يمضي سنوات في السجن في انتظار المحاكمة، لمجرد أن ملفه قد ضاع. وكانت هناك احتمالات كبيرة في أن يقاد السجين، قبل المحاكمة، إلى مركز استجواب سينتزع منه، هناك، بأسوأ الوسائل، إن لزم الأمر، الاعترافات الموقعة، اللازمة لإدانته. وكانت الطريقة مجربة.
وهكذا تشهد امرأة على سجنها في مركز اعتقال، لبوليس سايغون:
« كان يمكنك، أثناء استجوابك، أن تسمع الصرخات الثاقبة للذين كانوا يعذبونهم. وفي بعض الأحيان، يجعلونك تحضر عمليات التعذيب لإرهابك وإرغامك على الاعتراف بما كانوا يريدون.
وكانت امرأتان في زنزانتي حاملين. وقد ضربت إحداهما بعنف وتلقت الأخرى ضربات على ركبتيها اللتين أصيبتا بالإنتان.
وقد حاولت طالبة الانتحار بتحطيم قبضتيها على صنبور معدني في مغسل الثياب. ولكنها فشلت. وعذبت، إذ ذاك، بلف عصابة كثيفة من المطاط حول رأسها لضغطه. وكانت عيناها خارجتين من محجريها وتعاني آلام رأس فظيعة..» (نيويورك تايمز-13/8/72).
« إذا قالوا لا، اضربوهم إلى أن يقولوا نعم». تلك كانت القاعدة المعروفة لدى بوليس سايغون.
العدالة
لم تكن المحاكمات أقل تحيزاً من الإجراءات التي تسبقها. فقد كان المتهم بجنحة سياسية دون دفاع (وفوق ذلك دون محام) أمام كل القوة الحكومية وإدانته كانت شبه مؤكدة. وكان يمكن للمعتقل، ونتيجة الاستجوابات ومحتوى تقارير إدارة الاستخبارات، أن يقدم إلى محكمة عسكرية أو أن يرسل إلى لجنة أمن في المحافظات.
وكانت الأحكام بالأشغال الشاقة والسجن مدى الحياة والإعدام هي أغلب الأحكام الصادرة. وكانت القرارات سريعة وغير قابلة للاستئناف.
وكانت لجان المحافظات الأمنية تتميز بالتعسف. فإذا بدا لها «واضحاً» أن «المشبوه يشكل تهديداً على الأمن الوطني» بموجب إدراكها للموقف وموازين القوى، فإنها تستطيع أن تفرض توقيفه، إدارياً دون أن يكون عليها تبرير ذلك قانونياً.
كتب خبيران أمريكيان:
الشكل القانوني الذي نادراً ما جرى الالتزام به في فترة جنوب فيتنام الحديثة جرى التخلي عنه منذ بداية هجوم العدو. وعلى الرغم من أن الحكومة لم تعلن شيئاً، فإن القوانين الطبيعية التي تنظم حقوق المتهم، قد علقت (هولمز براون ودون لوس: رهائن حرب، 1972).
مراكز الاستجواب
كان سجناء فينيكس يرسلون إلى مراكز الاستجواب في المحافظات. وكان التعذيب، في هذه المراكز، يطبق بالصورة «الإدارية» نفسها التي كان عليها «السؤال» في السجون الملكية الفرنسية.
وقد تسربت روايات حتى إلى الصحافة الأمريكية، مثل الروايات المجتزأة التالية:
«ضربت نغوين تي ين حتى الإغماء بحطبة. وعندما استعادت وعيها، أرغمت على البقاء واقفة، عارية، أمام عشرة جلادين أحرقوا ثدييها بالسجائر».
«فو تي باخ ضربت وعلقت من قدميها تحت نور باهر. ثم حبست في زنزانة ضيقة نصف مغمورة بالمياه، وكانت الفئران والحشرات تتسلق جسدها» (نيويورك تايمز، 13 آب 1973).
وهاتان شهادتان أكدتهما شهادات أخرى. فعلى حد قول عدد 6 تموز 1972 من جريدة ديسباتش نيوز سيرفيس إنترناشيونال، «عانى أكثر من 90% من المعتقلين استجوابات عنيفة شملت الضرب بالعصي وشحنات كهربائية واقتلاع أظافر وحقن بماء صابون».
وشهد طبيب أمريكي أمام اللجنة الفرعية للكونغرس، في 17 تموز 1970، بأنه فحص سجناء جرى تعذيبهم. فقد أصيب رئيس الرابطة الوطنية لطلاب جنوب فيتنام، هوين تان مام بالشلل، وأصبح أصم وأعمى إثر التعذيب الذي عاناه. وكذلك، فقد رئيس رابطة التعليم الثانوي، لو فان نوي، القدرة على استعمال ساقيه إثر عدة جلسات ضرب بالعصي.
واشترك أمريكيون في الأنشطة «المضادة للتخريب» لمراكز استجواب المحافظات. ويقول الصحفي تيودور جاكني أن لمراكز استجواب المحافظات صلات مع نظيراتها في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وغالباً مع مستشاري بوليس المساعدة (مساعدة تيو، 1972).
السجون
زادت سياسة الإرهاب المنظم التي مارستها الحكومة الفيتنامية الجنوبية وحليفها الأمريكي عنفاً لكونها لم تفلح في كسب دعم السكان ولا حتى في حيادهم. وكان السلاح الكبير المستعمل هو النفي الجماعي. وكان حظر الإقامة وحصر السكان يمارس من جانب نظام تيو. وكانت سفن مزدحمة بركابها تنقل نساء وأطفالاً وشيوخاً، إلى جزيرة كون سون دون محاكمة. وبلغ عددهم 1500 خلال شهر نيسان 1972 وحده (على حد قول جريدة لوموند في 19 كانون الثاني 1973). وتبعهم مثقفون وبوذيون وطلاب من هويه.
ولا يعرف، بوجه عام، شيئ عن الأشخاص المختفين. فلم يظهر على أية «دائرة» أنها صالحة لتقديم معلومات. والواقع هو أن السر كان القاعدة وكان يغطي نظام إبعاد وإلغاء للمعارضين ونظام قمعهم.
وهكذا، وبعيداً عن استيهامات فيلم «القيامة الآن» الرومانسية- العدمية، كانت آلة سحق تعمل في الظل ولا تخلو من التذكير، من عدة جوانب، بصناعة الموت النازية.
ففي عام 1970، وبموجب ما يذكره مصدر رسمي أمريكي، كان هناك ما يقرب من 100 ألف سجين في سجون جنوب فيتنام (دورة الكونغرس، تموز-آب 1970). وخلال السنة نفسها، كما تقول جريدة لوموند (10 تشرين الثاني 1971)، كان هناك 153 ألف اعتقال.
وتسمح مضاعفة الموازنة الأمريكية المخصصة للسجون، عام 1972، باستنتاج كون عدد السجون قد تضاعف، هو أيضاً. وفي عام 1973، انضم ألوف من السجناء الجدد إلى سجون تيو. وتبدو الأرقام الأمريكية أقل من الواقع بكثير. فقد أعلنت الصحافة، عام 1973، أنه كان هناك حوالي 400 ألف سجين في جملة نظام السجون الفيتنامية الجنوبية. أما بالنسبة لمنظمة العفو الدولية، فقد كانوا «200 ألفاً على الأقل» (تشرين الثاني 1972).
وكان هناك أكثر من ألف اعتقال رسمي وسري في جنوب فيتنام. وكان يوجد منها في كل المدن وفي كل المحافظات وفي كل المقاطعات. وأشهرها كون سون أو كون داو (بولو كوندور سابقاً) وشي هوا في ضاحية سايغون وتودوك وتان هييب وكاي دوا (على جزيرة فوكوك، بالقرب من الحدود الكمبودية).
أما الطريقة التي كان يعامل بها المساجين والمعروفة من الأمريكيين- ولا سيما أن ضباطاً من الجيش كانوا يعملون في السجون في تعاون وثيق مع الفيتناميين الجنوبيين- فهي تذكر بالطرائق النازية. كان السجناء يعانون سوء التغذية والازدحام والتدهور الجسدي والمعنوي المنتظم.
أقفاص النمور
يقع «مركز كون سون الوطني للإصلاح» كما كانت تسميه، إيجابياً، السلطات الفيتنامية الجنوبية، على جزيرة فردوسية في بحر الصين، على بعد حوالي 200 كيلومتر من سايغون. وقد بناه الفرنسيون عام 1862 ليكون مستعمرة عقابية. وهو معروف، منذ زمن طويل، باسم «جزيرة الشيطان». وكانت «أقفاص النمور»، في المعسكر رقم 4، إحدى زهراتها. وقد أنكرت السلطات الأمريكية والفيتنامية الجنوبية، على حد سواء، لزمن طويل، وجودها، ولكننا ندين بوصف نموذجي لها للصحافي الأمريكي دون لوس الذي أشرنا إليه سابقاً والذي نشر ريبورتاجه في عدة صحف أمريكية.
ففي قطاع معزول من المعسكر، مخفي عن الزوار الرسميين، توجد زنزانات صغيرة دون سقوف يراقبها الحراس من فوق، عبر فتحة محمية بشباك. وفي كل واحدة من هذه الحجيرات الحجرية التي لا تكاد تبلغ مترين ونصف المتر، طولاً، ومتراً ونصف المتر عرضاً، كان يتكدس ثلاثة أو أربعة سجناء. وكان هناك دلو صحي خشبي يفرغ مرة في اليوم. وكان السجناء يحملون آثار ضربات وجروح وقد فقدوا بضعة أصابع، وكانوا في حالة إنهاك تمنعهم من الوقوف.
وكان دلو مملوء بالكلس فوق كل زنزانة يسمح للحراس بـ«تهدئة» احتجاجات السجناء الذين يطلبون أن يأكلوا، فيرشونهم بالكلس الحامي الذي يغطي الأرض أيضاً. وبمثل هذه المعاملة، كان السجناء يبصقون الدم ويصابون بالسل وأمراض العيون والجلد.
وكان مبنى مجاور يؤوي أقفاص نمور مماثلة من أجل النساء. وكان عددهن خمساً في كل حجيرة. وكانت أصغر السجينات سناً في الخامسة عشرة من عمرها، وأكبرهن سناً كانت عمياء في السبعين.
وكان الحراس ينشرون الإرهاب ويتكالبون على الأضعف لدى أدنى شكوى. وكان السجناء يبقون، خارج الزيارات الرسمية، مقيدين بقضبان تجتاز الجدران، 24 ساعة على 24، حتى خلال وجبات الطعام والنوم والاغتسال مع منع الجلوس. وكان سقف القرميد البالي يدع الماء يمر عندما تمطر، وكانت الأقذار تتكدس على الأرضية غير المسواة.
وكان الحديد المستعمل في كون سون مصنوعاً في شركة سميث وويسون من سبنغفلد، ماساتشوستس. ولم تكن القضبان محكمة الصنع وملساء (كما هي قضبان الاستعمار الفرنسي)، بل كانت مصنوعة من حديد ف 8، وهو مادة بناء. وكانت تبرز منها نتوءات حادة تخترق لحم الأقدام وتسبب عذاباً حقيقياً.
وقد تعفن حوالي 500 سجين وسجينة، خلال شهور طويلة، وسنوات طويلة، في أقفاص النمور. وكانوا، في جملة المعسكر، أكثر من عشرة آلاف.
وكان السجناء، عندما لا يكونون في أقفاص النمور، يستمتعون بضيافة «أقفاص الثيران» المرتبة في إسطبلات قديمة للإدارة الفرنسية. وهي لا تختلف إلا بحجمها وعدد المقيمين فيها الذين يتكدسون، فيها، أي حوالي عشرين خاضعين للنظام السابق نفسه.
وتضاف إلى النظام العام، وهو لا يطاق في حد ذاته، ممارسات أخرى لمنع السجناء من التغذي: فقد كان لهم ثلاث دقائق للأكل، وكانت حصى صغيرة تمزج بالرز، وكان السمك فاسداً. وكانت هناك ندرة كاملة في الخضار. وبلغت المجاعة حداً كان السجناء يتغذون، معه، بالحشرات والديدان والبعوض التي كانت، فضلاً عن ذلك، المصدر الوحيد للبروتين.
ومن ناحية السجانين- عددهم أكثر من 100 في بولو كوندور-، فقد كانت الإدارة متساهلة تسمح بأن ينتشر بينهم إدمان الأفيون والفسق (كانت الإدارة تستقدم، بانتظام، قوافل مومسات من الساحل) والقمار والاغتصاب والقتل التي كانت تمارس بحرية. ومن البديهي أن السجناء كانوا يجردون من مالهم في الوقت نفسه الذي تنزع عنهم، ملابسهم لدى وصولهم. وكان بعض الحراس يقومون بتصفيات حساب داخل المعسكر لتملك المال المتراكم بهذه الطريقة، وجمع بعضهم ثروات تتراوح بين 400 ألف و500 ألف قرش. وكما في المعسكرات النازية، كان سجناء الحق العام يستخدمون، طواعية، كجلادين مساعدين.
ولم تكن الحال في شي هوا، قرب سايغون، أفضل. ففي 16 تموز 1968، حين كان مديره نغوين فان أمر رئيس «اختصاصيي» إدارة السجون، لو فان كوونغ (أو شي كوونغ) بنقل 120 سجيناً مريضاً، مسلولين أو مشلولين أو قطعت أطرافهم في «أقفاص الجواميس». وسوف تحمل منطقة أقفاص الجواميس، منذ ذلك الحين، اسم «معسكر النقاهة». وقد حشر السجناء المائة والعشرون الذين لم يعالجوا كما كانوا يأملون في زنزانات طول الواحدة منها 12 متراً وعرضها 8 أمتار. وكان للواحد منهم أقل من متر مربع واحد للاستلقاء. ولم يعد للسجناء، بعد أن رفضوا الأشغال الشاقة، ما يأكلونه سوى الرز والنووك مام (صلصة حامضة). وخلال شهرين أصيب 50% من السجناء بالهزال الناجم عن نقص الفيتامينات نتيجة لنقص الخضار الطازجة (ديبري ومانرا, ناجون من سجون سايغون).
وكان في تودوك سجن للنساء، وكن يكهربن ويعذبن بالماء ويضربن حتى الموت من قبل وحوش مخمورة. وكانت الضحية تعلق من قبضتيها بعمود، ثم تضرب بهراوة حتى الإغماء على أيدي ستة أو سبعة من رجال البوليس (كان هذا يسمى «السفر بالطائرة»). وقد فقدت الكثيرات منهن القدرة على استعمال سيقانهن بعد هذه المعاملة. وكانوا يستبيحون بصورة خاصة الطالبات والفتيات اللواتي كن موضوعاً لاغتصاب جماعي (مدرسة سايغون العليا للتربية، 4 تموز 1970).
وفي تان هييب، جمع حوالي 1500 من السجناء الدائمين الذين... لا شيء يؤخذ عليهم، عدا كونهم قد اعتقلوا من قبل القوات الأمريكية خلال عملية. وكان الأمر يدور، بصورة أساسية، حول فلاحين تعفنوا في سجونهم لسنوات، أحياناً، دون محاكمة، ينتقلون من سجن إلى آخر جاهلين، دائماً، كل شيء عن أسباب اعتقالهم. وغالباً ما قطع رجال الشرطة أصابع السجناء وآذانهم بضربات ساطور. وقد عذب الدكتور تران ترونغ تشو، في كاي دوا، بالأقطاب الكهربائية حتى فقد الوعي. «كنت محبوساً في زنزانة تكاد مساحتها لا تبلغ ثلاثة أمتار مربعة. وكنت آكل وأقضي حاجتي فيها. وعندما كانت الأمطار تهطل غزيرة، كان الماء يتسرب فيضاً، وكانت فضلاتي تعوم فوقه في كل مكان. وكان علي أن أبقى واقفاً وظهري إلى الجدار دون أن أستطيع التمدد للنوم». (1971).
ويصعب تقدير الرقم الكبير للذين ماتوا ضحايا لنظام تيو والأمريكيين في جنوب فيتنام. وقد تسربت بعض الأرقام. ففي عام 1971، مات 147 سجيناً في معسكر فو كوك نتيجة للمعاملة السيئة، ومات، كذلك، 125، بين كانون الثاني وأيار 1972، نتيجة لانعدام العناية الطبية. واعتباراً من 15 أيلول 1971، سمحت أوامر خاصة للشرطة العسكرية بإطلاق النار على السجناء دون سابق إنذار. وسرعان ما نجم عن ذلك 200 قتيل وجريح. وقد انتحر عدة سجناء بفتح بطونهم (أخبار فيتنام، الأول من آذار 1973، كندا).
وحوالي نهاية 1972، قام نظام تيو، نظراً لضروب تقدم مؤتمر باريس، بحملة إبادة في المعسكرات. فإذا كان يريد فعلاً أن يأمل في البقاء سياسياً بعد وقف إطلاق النار، فيجب أن يزيل كل الذين عاشوا في سجونه والذين سيستطيعون أن يرووا ما رأوه. وأعاق توقيع اتفاق باريس، في كانون الثاني 1973، هذه المشاريع جزئياً. ومع ذلك، فقد أزالت إدارة سايغون ألوف السجناء في كون داو. وغالباً ما كان يقال عنهم أنهم قد «حرروا». ومصيرهم مجهول، بديهياً، تماماً. «كان مصير حوالي 200 ألف سجين في سجون تيو يتقرر في هذه البرهة (نغوين دين تيه، باريس، 21 آذار 1973).
وقد احتلت مساعدة الولايات المتحدة للبوليس مكانة أولية. في الترتيبات الأمريكية في جنوب فيتنام. وكانت تقوم على تمويل جهاز القمع لنظام سايغون دون حساب، وإعالة جهازه المتخصص وإجراء علميات بواسطة هيئة من «المستشارين» الدائمي الحضور.
وكما هو مألوف، يفوض الاستعمار أشد عناصر البلد المحتل فساداً بالمهمات الحقيرة مفضلاً أن يبقى في الظل ليحرك الخيوط ولا يجلب عليه الاستياء المباشر إلى درجة أعلى مما ينبغي للمدافعين عن حقوق الإنسان.
ومع ذلك، فإن الأدلة على تورط الأمريكيين في أبشع حملات التعذيب والاعتقال والإبادة غزيرة. فهم لم يكتفوا بقصف شمال فيتنام لسنوات، وبوضع أغلبية جنوب فيتنام في النار والدم، وبحرق عشرات الألوف من الأبرياء بالنابالم، وبإيقاع المجاعة لدى ملايين الفلاحين خلال حرب المساحة، بل إن الاستعمار الأمريكي الجدي شن حرباً أخرى ماكرة ودموية ضد المقاومة الوطنية والسياسية لشعب كامل مضطهد.
وكما اعترف ناطق باسم وكالة التنمية الدولية: «دعمت الوكالة برنامج الأمن العام في جنوب فيتنام اعتباراً من 1955. وكانت مهمة الوكالة تقوم على مساعدة البوليس الوطني في تجنيد قوة لحفظ القانون والنظام وتدريبها وتنظيمها. وفي المجموع، عمل أكثر من 7000 أمريكي في جنوب فيتنام». (استماع حول المساعدة الأمريكية).
وقد أنفق بين 1968 و1971، أكثر من 100 مليون دولار موزعة بين وكالة المخابرات المركزية ووزارة الدفاع ووكالة التنمية الدولية. وقد تم بواسطتها تجديد النظام البوليسي الفيتنامي كلياً في بضع سنوات. ومن 300 ألف فيتنامي كانوا يتولون «حفظ النظام» عام 1972، كان 122 ألفاً، فقط، يتقاضون رواتبهم من خزينة سايغون. وكان الآخرون يتقاضون رواتبهم من العم سام. وكان هناك، أيضاً، عدد كبير من العملاء السريين للبوليس السياسي المرتبط، مباشرة، بوكالة المخابرات المركزية.
وقد حددت وكالة التنمية الدولية، لدى طلبها اعتماداً بثلاثة وثلاثين مليون دولار للسنة المالية 1972، لمصلحة البوليس الوطني (بما فيها 22 مليوناً من موازنة البنتاغون)، عام 1971، قائلة: «البوليس الوطني الفيتنامي، وهو أحد وجوه الفتنمة، مدعو إلى أن يتولى، تدريجياً، مهمة أثقل.ألا وهو تقاسم عبء النضال المعادي للثوريين مع القوات المسلحة الفيتنامية الجنوبية والسهر على السلام والنظام اليوميين في المدن والأرياف. وسوف يرفع عدده الحالي (100 ألف) إلى 120 ألف رجل خلال السنة الحالية للسماح له بتولي مسؤولية أكبر في المستقبل. كما أن مساعدة أمريكية مناسبة أمر متوقع» (مايكل ت.كلير، حرب لا نهاية لها، 1972).
وعلى الرغم من هذه الوقائع الرقمية، لم تتوقف الحكومة الأمريكية عن الادعاء بأن معاملة السجناء كان شأناً داخلياً لجنوب فيتنام. ومع ذلك، وكما كتب الصحفيان هولمز براون ودون لوس: «لقد خلقنا حكومة دييم وخلعناها. لقد قصفنا، دون إذن، بلادهم و«كشطنا جلدها»، إلا أننا، احتراماً منا لاستقلالهم، نسمح لهم بإساءة معاملة سجنائهم».
وبعد أن كشف مراقبان أمريكيان عن وجود «أقفاص النمور»، شرعت حكومة سايغون في بناء زنزانات انفرادية جديدة. وكان على السجناء أن يكونوا اليد العاملة الإجبارية. وأمام رفضهم، أرغمت وكالة التنمية الدولية على توقيع عقد بأربعمائة ألف دولار مع شركة أمريكية (استماع حول المساعدة الأمريكية).
والأمريكيون، ويجب أن نعترف بذلك، معلمون في فن الاستجواب والتعذيب. «فمراكز الاستجواب التي يديرها أمريكيون مشهورة بطريقتها «المرهفة» في التعذيب» (نغو كون دوك، لوموند، 3 كانون الثاني 1973).
وبعد اتفاقات باريس، سوف يتابع الأمريكيون تمويل بوليس تيو. وقد طلبت وكالة التنمية الدولية إلى الكونغرس 18 مليون دولار ومن وزارة الدفاع الضعف تقريباً (واشنطن بوست، شباط 1973). إن «المساعدة الأمريكية بالرجال والدولارات هي، وحدها، التي تسمح لتيو بمواصلة الاعتقالات والسجن وتعذيب السجناء السياسيين وذبحهم» (سجناء سايغون، الولايات المتحدة، 1973). وقد اعترفت الصحافة الأمريكية ببقاء 20 ألف «مستشار مدني» بعد انسحاب القوات النظامية إثر توقيع الاتفاقيات كما وأن «عملية فينيكس- التي سرعان ما حل محلها «برنامج ف 26» لمتابعة الأهداف نفسها- برنامج رعته وكالة المخابرات المركزية لمحو خصوم تيو والمشبوهين، كانت ما تزال في أوجها».
ولندع الخاتمة لصحفي أمريكي، مايكل كلير (أثناء مراقبة الإمبراطورية المثلثة القارات، العدد 1، 1972): إن «المساعدة وإدارة قسم الأمن العام ناميتان إلى درجة يمكن معها، في الواقع، جيداً جداً، للبوليس الوطني أن يعد قوة مرتزقة للولايات المتحدة أكثر منه مؤسسة محلية».
فرانسوا دوريفري
فرانسوا دويرفري رسام، مؤلف عدة مقالات في علم الجمال والنقد، السكرتير العام لمجلة دفاتر علم الجمال (1988-1997). وهو، حالياً، مساعد رئيس تحرير مجلة إنترفنسيون.