المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (ذكريات بلا ماضي ..... سلسة من حلقات من 1 إلى الحلقة الختامية )


برونزيه
12-19-2008, 04:46 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


لايمكن توقع الغد , فالغد دوما مجهول , والمجهول مخيف ولكننا نتسلح دوما بالأمل لنخفف من وطأة الغموض المتعب الذي يصاحب التفكير في المستقبل .
لم يكن وديع مجرد شخص غريب الأطوار بين أفراد عائلته الذين يجدونه دائم التمرد والتذمر من كل شيء حتى أنه طلب من والده تغيير اسمه الذي لم يعجبه منذ صغره ولكن والده حينها نهره بشدة وكان رد فعل وديع وقحا لدرجة أنه استغاث بالجيران ليخلصوه من بين يدي والده الذي تعب في تربيته وتعب من تمرده وعصيانه الدائمين ومن شكوى أطفال جيرانه بأنه حين كان يلعب معهم فلا بد أن يصاب أحدهم بأذى , حتى أنه في احدى المرات وبينما كان يلعب مع اصدقائه وتسلقوا الشجر , رمى وديع بصديقه من فوق الشجرة وكسرت ساقه لأنه سخر من اسمه.
كان وديع طفلا جميلا جدا منذ نعومة أظفاره حتى أن كل من يراه كان يحسبه فتاة لشدة تورّد خديه وشفتيه وعندما كبر زاد هذا الجمال من سخرية أصدقائه في المدرسة وما زاد توتره معاملة والده القاسة له ولم تفلح محاولات والدته من التخفيف من حدة تعامل والده معه.
لميس: إنك تعامله بقسوة غير مبررة ياعزيزي ,وأنا أصبحت خائفة من تهورك في ضربه.
عامر: لابد من معاملته معاملة خاصة , لاتنسي أنه تربى بين فتيات فقط فنحن لم ننجب ذكرا سواه وأخاف إن ساويت في معاملته مع الفتيات أن يصبح مثلهن.
لميس: لقد أصبح الولد شرسا وعنيفا بسبب قسوتك عليه.
عامر: حين يكبر سينسى هذه القسوة , وبعد مرور سنوات قليلة سيصبح شابا يافعا حينها ستتغير أمور كثيره ومنها طريقة تعاملي معه.
لميس : الأطفال لاينسون ياعزيزي.
عامر: لاتتدخلي في تربيتي لوديع فأنا أعلم مالذي أفعله.
رمقته لميس بنظرات اعتراض خائفه: حسنا ياعزيزي كما تحب.
عامر : أين هو الآن ؟
لميس : إنه يستمع للموسيقى في غرفته بعد أن أنهى واجباته.
عامر : ماذا ؟ موسيقى ؟ ألم أقل لك يا امرأة أنه سيصبح ابنتنا الرابعه.
لميس : إلى أين أنت ذاهب؟ انتظر أرجوك ولا تبالغ إنها مجرد موسيقى.

صعد عامر إلى غرفة ابنه غاضبا وركل الباب بقدمه ولم ينتبه وديع لوجود والده في غرفته لأنه كان يستمع للموسيقى عبر سماعات الاذن مغمض العيني سارحا مع النغمات , إلى أن شد والده السماعات من أذنيه .
عامر : لم يتبقى إلّا أن ترتدي ثياب الفتيات وتظل ملتصقا أمام المرآة لتصبغ وجهك بالألوان.
وديع: ماذا حدث لكل هذا ؟
عامر: ألن تصبح رجلا أبدا؟!!
وديع : هذه مجرد أغنية وقد استعرت الشريط من أحد أصدقائي في المدرسة.
عامر : وهل أصبحت المدرسة مكانا لتبادل أشرطة الغناء واللهو؟
حطم عامر الشريط امام وديع وخرج من الغرفة وتركه يبكي , فهو لا يعلم ماذا سيخبر صديقه عن الشريط , لأنه إن قال الحقيقة فلن يسلم من سخرية اصدقائه .

أثناء وقت الإفطار في المدرسة افتعل وديع شجارا مع صديقه وكان قد احضر شريطا مزيفا فدفعه نحو الحائط وحطمه , كان وديع يعلم أنه سيخسر صاحبه للأبد ولكنه فضل خسارة صديقه على أن يتعرض للسخرية بين أقرانه.
توتر وديع من سيل العقوبات التي تعرض لها من إدارة المدرسه ومن والده ومن نفور بقية أصدقائه من حوله فقضى المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية شبه منطو , حتى أنه أثناء الحصص الدراسية لم يكن يشارك مع بقية الطلبة وكان غليظا في ردة فعله مع أساتذته إلا أنه ظل محافظا على ارتفاع مستواه الدراسي والحصول على نسب عالية في امتحانات التقييم.
في إحدى أيام الدراسة وحين همّ وديع بمغادرة المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي اصطدم بفتاة جميلة جدا فأوقع كتبها وكتبه ... لم ينتبه وديع لجمالها فما عاد شيئا يلفت انتباهه أو يعنيه .

ولاء : أنا آسفة لم أكن اقصد.
وديع: آسفة؟ وأين كانت عيناكِ , من الأفضا أن تشتري نظارة حتى لا تزعجي المارّة.
ارتبكت وارتعش صوت ولاء من ردة فعله الغريبه : لم أكن منتبهه , أعذرني.
في هذه الأثناء خرج الأستاذ إبراهيم : مالذي يحدث؟
وديع : وما شأنك انت أيها المتطفل؟
دفعها وديع حين انحنت ولاء لتجمع له كتبه التي أسقطتها دون قصد فثارت ثائرة المدرس الذي أمسكه من ثيابه فماكان من وديع إلا أن انهال ضربا على المدرس, بينما كانت ولاء تصرخ : أبي أبي .
فوجيء وديع حين علم أن ولاء هي ابنة الأستاذ إبراهيم فتركه وجمع الكتب بسرعة وركض نحو منزله وهو على يقين بأنه سيتعرض هذه المرة لعقوبة ليست كالمرات السابقة.

وفعلا في اليوم التالي استعى مدير المدرسة السيد عامر والد وديع وشرح له الأمر وطلب منه أن يأخذ وديعاً لمدرسة أخرى حتى لا يُطرد ويحرم من الدراسة كلياً..... ونظرا لعدم وجود مدرسة إعدادية أخرى قريبة اضطر السيد عامر لحرمان وديع من إكمال هذه السنه وسيتم نقله لمدرسة في العاصمة بداية السنة الجديده.
أخذ عامر ابنه وديع إلى المنزل ونهره بشده وضربه بقسوة , حتى ان محاولات الأم والأخوات الثلاث فشلت في منع الأب من ضرب ابنه الذي حاول مرار أن يتفادى الضرب بذراعيه .
عامر : اسمع .. سوف تعمل معي إلى أن يبدأ عامك الدراسي القادم وإن فشلت هناك أيضا فلن يكون لك مستقبل سوى في العمل .
لميس : وديع لازال صغيرا يا عزيزي ولا يمكنه احتمال عملك الشاق.
عامر : لا أريد سماع صوت أحد , فأعمال البناء ستعلمه كيف يصبح رجلا .
صرخ وديع في وجه والده : أنا رجل ولست طفلا لتضربني وتفرض عليّ هذا العمل.
عامر : إني أحذرك من الوقوف امامي مرة مرة أخرى وستفعل ما أقوله أيها الفاشل كإخوتك البنات.

أخذت لميس ابنها إلى غرفته وحاولت مواساته , ولكن لا فائدة فهو لا يستطيع إيجاد مبرر لمعاملة والده
وتعب من كلماته بأننه كإخوته البنات وحتى تصرفاته القاسية مع زملاؤه ومعلميه لم تجعله رجلا في نظر والده.
قضى وديع بقية العام يعمل مع والده ويحمل الخشب الثقيل ومواد البناء التي قصمت ظهره ولم يجد خلال تلك الفترة ولا كلمة شكر بسيطة أ إطراء يرفع من معنوياته , بل كان والده يتهمه دوما بالضعف والدلع إذا شعر بالتعب أثناء العمل حتى إنه إذا رآه ينفض الغبار عن شعره نهره أمام العمال وشبهه بالفتاة التي تخاف على مظهرها وتخشى الغبار والأتربة .
شحب لون وديع حين رأى تلك الفتاة التي اصطدم بها أمام المدرسة تقف بجوار والدها الاستاذ ابراهيم مع المهندس المشرف على البناء وسأل والده عن سبب وجودهم فأخبره أنهم يعملون لبناء منزل الأستاذ ابراهيم وعائلته فحاول الاختباء حتى لا تراه ولكنه فوجيء بتوجهها نحوه.
ولاء : مرحبا وديع.
وديع : وكيف عرفتي اسمي؟!!
ولاء: عرفته من والدي ومذ ذاك اليوم لم أنساه أبدا.
وديع: وماذا تريدين؟
ولاء: أتيت ألقي التحية ولأعتذر منك لأني عرفت يومها أن والدك كان قاسيا معك جدا وضربك بعنف.
لم تقصد ولاء أن تجرحه بكلماتها ولم تكن تعلم أنها ألقت ضربة شديدة مباشرة إلى جراحه.
نظر إليها وديع وأشاح بوجهه عنها وابتعد ليكمل عمله ولم يرد على نداءها فشعرت بالأسى ورحلت مع والدها وهي تنظر إليه من خلال زجاج السيارة.
يتبع...............

برونزيه
12-19-2008, 07:13 AM
كان وديع ينهي عمله مع والده ويعود إلى المنزل منهكا من العمل ومن تذمر والده طوال الوقت وكأنه توقع منه ان يتعلم العمل من فوره , وبرغم الإجهاد الذي يعانيه وديع يوميا إلا انه كان يحاول أن يتحمل أملاً أن تنتهي هذه الأيام سريعا ليستطيع ترك المنزل , وكان خلال العطل يتنزه وحيدا في المروج والبساتين المجاورة كيوم راحة بعيدا عن والده وكان يستمتع بالصيد كهواية جديدة أحبها .
وفي أحد أيام العطل وبينما كان يتجول داخل المروج قبل غياب الشمس رأى مجموعة من الشباب والفتيات قد أضرموا نارا ونصبوا خيمتين كبيرتين نوعا ما فاقترب دون أن يشعر به أحد فرآهم يجلسون حول النار ويتبادلون الأحاديث والضحكات ولمح بينهم وجه ولاء فعرف أنهم في رحلة ... وبعد وقت قليل فضل إكمال طريقه بحثا عن صيد قبل المغيب وحتى لا يتأخر عن العودة ويتشاجر مع والده مرة أخرى ...
وبينما كان يغادر لمحته ولاء فهرولت نحوه وأوقفته.
ولاء : وديع؟!! ماذا تفعل هنا وحدك؟
وديع : وهل يتوجب عليّ أخذ الإذن من أحد لآتي إلى هنا؟
ولاء : لماذا تعاملني بهذه الطريقة رغم أنني لم افعل لك شيئا؟!!!
وديع: وماهي الطريقة الغريبة التي أعاملك بها ؟
ولاء: ألا ترى أنها قاسية بعض الشيء؟
وديع: ممممم ربما.
ولاء: مارأيك لو تنضم إلينا؟
وديع : لا فأنا هنا من اجل الصيد وعلي العودة قبل الظلام.
ولاء: ماهذا الذي تحمله في الكيس؟
وديع: إنه أرنب.
ولاء : وهل اصطدته وحدك؟
ابتسم وديع ابتسامة ساخرة : لا , ساعدني أرنب آخر في اصطياده.
ابتسمت ولاء وأمسكت يديه : تعال وانضم إلينا , لاتقلق فنحن نرحب بجميع الأصدقاء.
وديع : أصدقاء؟
ولاء: هل تمانع في أن نكون صديقين؟
وديع: ولكن
ولاء: لاتجب الآن , تعال واجلس معنا أولا ثم قرر إن كنت تود ذلك أم لا.
تعرّف وديع على أصدقاء وصديقات ولاء ورحبوا به حال جلوسه معهم.
ولاء: هؤلاء صديقاتي رقية , سهاد و سلافة وهؤلاء يزن ,حسام و باسم . جميعنا اشتركنا في مشروع مدرسي وحضرنا إلى هنا لنتدرب على أدوارنا ولنستمتع يومين قبل البدء بتقيم المشروع.
سلافة: هل تدرس ياوديع؟
وديع : نعم , لازلت في المرحلة الإعدادية وسأكمل سنتي الأخيره في العاصمة .
رقية: لقد سمعت أن مدارس العاصمة لها نظام مختلف وفيها التزام كبير وقوانين صارمة.
يزن : وفيها أيضا فتيات رائعات الجمال.
سهاد: وديع شاب وسيم أيضا وستعجب به الكثير من الفتيات هناك.
حسام: هل لديك أصدقاء مقربون هنا؟
وديع: ليس لي أصدقاء.
باسم: أبدا.
وديع : أبدا.
ولاء: لماذا؟
وديع: لا أحب المصادقة كثيرا فهي تصبح مملة بعد فترة .
ولاء: أنت مخطيء يا وديع لأننا أصدقاء مذ كنا في المرحلة الابتدائية وها نحن كما ترى لا زلنا متمسكين بصداقتنا .
وديع: سيأتي يوم وتتفرقون بسبب الدراسة أو العمل أو الزواج أو ربما الموت.
رقية: أنت متشائم جدا.
وديع : هذا الواقع.
حسام : هل والداك على قيد الحياة.
وديع: نعم , لماذا؟
حسام : لأنني شعرت في كلامك شيئا من الأسى أو كأنك مررت بتجربة مريرة.
وديع : لا , ولكني لازلت أختبر الحياة.
ولاء: وكيف ذلك؟
وديع: أحاول التأقلم مع المفاجآت قبل أن تقع.
سلافة: وماذا تتوقع عادة؟
وديع: لا أتوقع شيئا بعينه ولكني في انتظار الغد دوما كالجميع , لست مختلفا عن احد.
باسم : هل تقرأ كثيرا في كتب الفلسفة.
تجاهل وديع تعليق باسم وأكمل: أنتم مثلا تخططون لمشروع ولا تستطيعون معرفة ما غذا نجحتم أو فشلتم قبل التقييم حتى لو بذلتم كل الجهد وأقصى الجهد لأنكم ربما وجهتم جهودكم بشكل خاطيء حتى لو كان موضوع المشروع ذا قيمة.
باسم : أنت تتحدث بمنطق من هم أكبر منك سنا.
وديع: آنسة ولاء , أتسمحين أن أحدثك على انفراد قليلا؟
ولاء: بالطبع ,هيا بنا
ابتعدا قليلا بين الأشجار وشعر الجميع أنه ربما انزعج من أسئلتهم وبأنه لم يُعط فرصة للحديث.
ولاء: تكلم يا وديع , هل أزعجك احد؟
وديع: لا أريد أن أكون فظا ولكن لا أحب أن يظن البعض أني شخص معقد.
ولاء: مالذي دفعك لهذا الشعور؟
وديع: لاحظت نظرات غريبة وأنا لست مدعاة للشفقة ولا وجود للانكسار في حياتي.
ولاء: لاتضخم الأمور , صدقني لم تكن هناك نظرات شفقة أو أسى , بل إن كلامك أعجبني كثيرا وهو قريب كثيرا من الواقع الذي لانفكر فيه يعمق , وديع لقد جعلتنا نرى الأمور من زاوية أخرى لم نألفها من قبل وأنا واثقة أن كل واحد منا كان يفكر في كلامك بشكل يلامس حياته .
وديع: أرجوا ذلك.
ولاء : لقد جعلتني أفكر فيما يمكن أن أخسره أو أفقده , أتمنى لو أستطيع أن أنظر للأمور بعينيك يا وديع.
ابتسم وديع وشعر بالسعاده لأنه ولأول مره يقدم على أمر يفيد به شخصا آخر وكأن نورا انبعث داخله وظل ينظر مباشرة إلى عيني ولاء وكأنه يراها للمرة الأولى بل كأنه يعيش السعادة الحقيقية للمرة الأولى في حياته فقد قضى معها ومع أصدقائها وقتا لم ينهره فيه أحد أو يقلل من شأنه , ولم يسخر أحد من اسمه حتى أنه لم ينزعج حين تلقى مجاملة رقيقة من إحدى صديقات ولاء.
ولاء: وديع... هل تسمعني؟
وديع: نعم أسمعك.
ولاء: لا أريدك أن تغضب أبدا أو تنزعج من اي شيء اتفقنا؟
وديع: اتفقنا
اقترب باسم منهما ولاحظ أنهما لم يشعرا بخطواته.
ولاء: أنت شاب طيب جدا , كنت واثقة من ذلك منذ اللحظة الأولى.
وديع: أعتذر عن سوء سلوكي معكِ.
ولاء: لا بأس على أن تعدني أن نكون أصدقاء وتكون على اتصال بي دوما وخذ هذه الورقة بها رقم هاتفي ويمكنك الاتصال بي أنّى شئت.
وديع: أعدك بذلك.
أجفلهما باسم بوجوده المفاجيء: هل وصل الأمر بينكما لقطع الوعود؟...
نهض باسم من مكانه مرتبكا.
ولاء: ماهذا التصرف الفظ ؟ هل كنت تتنصت علينا؟
باسم: كنت آت للجلوس معكما وسمعتكما بالصدفة , هل يعجبكِ هذا الحمل الوديع جدا لتُلزميه بقطع الوعود لكِ؟
ولاء: هذا الأمر لايعنيك يا باسم.
باسم: بل يعنيني , أنتِ حبيبتي ولن أسمح لطفل مثله أن يقف بيناا.
وديع: أنا لست طفلا أيها الغبي.
باسم : إذن أرني قدراتك أيها الرجل.
تشاجر باسم ووديع وبدأ كل منهما بضرب الآخر بشدة وولاء تصرخ فاجتمع الباقون ليوقفوا الشجار ولكن باسم لأنه كان يفوقه عمرا وبنية لم يتوقف إلى أن مزق ثياب وديع وأنهكه ضربا.
حسام: مالذي أوصل الأمور بينكما إلى هذا الحد؟
ولاء: باسم عليك نسيان أمر صداقتنا ولن أتحدث غليك أبدا وسيكون المشروع آخر ما يجمع بيننا لأنك أهنتني بشده.
باسم : إن مابيننا حبا وليس مجرد صداقة.
ولاء: أنا لم أعدك بشيء ولم أخبرك يوما أني أحبك.
حمل وديع حقيبته ورحل مسرعا ليطلق دموعه بعيدا بين الأشجار.
ولاء: وديع انتظر أرجوك لاترحل.
رحل وديع وعاد إلى المنزل وهو يحاول الاختباء حتى لايراه والده , وتنفس الصعداء حين دخل البيت ووجد الأنوار مطفأه فعرف أن الجميع قد خلد إلى النوم وتوجه بهدوء إلى غرفته حتى لا يوقظ أحدا.
أغلق وديع باب غرفته ببطء وأضاء النور ليرى والده ينتظره على سريره وعقد حاجبيه حين رآه ممزق الثياب متورم الفكين.



يتبع.........................................زز

د علي العقيل
12-25-2008, 11:27 AM
استمري في الكتابة فان لك متابعين اشتقنا للتتممة

أوركيديا
12-25-2008, 07:52 PM
في الانتظار ..








..

ادهم
12-28-2008, 04:56 PM
في انتظار باقي القصه للعوده والتعليق

برونزيه
12-28-2008, 06:48 PM
عامر : أي مصيبة جلبت معك هذه المرة؟
وديع: إنهم مجموعة من الخرقى الغرباء تعرضوا لي وسرقوا صيدي في الغابة.
عامر: هذا بعض من جزاءك لأنك لم تستمع حين قلت لك أن لا تذهب إلى الغابة وتتأخر هناك.
نظر إليه وديع وهو لايطيق نبض الألم وكأنه يرجوه أن يذهب ويتركه في حال: حسنا لن أتأخر هناك ثانية.
خرج عامر من الغرفة ولم يضرب وديعا لأنه قد أخذ قسطه من الضرب خارج المنزل وذهب لينان بعد أن ذكره بأنه عليهما الاستيقاظ باكرا للعمل.
وضع وديع جسده المنهك على السرير ولازال يفكر فيما فعله باسم وكيف صفعه على وجهه أمام ولاء , وكيف انتهت لحظات السعادة مع ولاء التي لم يفهمها تلك النهاية السيئه , وظل يفكر في نظرة ولاء له , وكيف أنه لم يستطع الدفاع عن نفسه أمام ذاك المتعجرف الذي سخر منه كالباقين ... فقرر الرجوع للغابة بعد أن يتأكد أن والده قد أصبح في سبات عميق.
في هذه الأثناء كانت ولاء تلوم باسما على فعلته وأرادت مغادرة المخيم إلا أن أصدقاءها أقنعوها بالبقاء من أجل الانتهاء المشروع المدرسي فوافقت على أن لا يكون هناك أي كلام متبادل بينها وبين باسم الذي قررت قطع علاقتها به.
بعد أن انتصف الليل وتأكد وديع أن جميع أفراد عائلته خلدوا للنوم , غسل الدم عن وجهه واستبدل ثيابه , وارتدى الحذاء البوت السميك ليتفادى الماء او البرك ويسهل عليه التحرك دون أن يشعر به أحد داخل الغابة .
أخذ سككين الصيد وتوجه من نافذة غرفته للخارج وذهب إلى الغابة وكله رغبة بالانتقام والثأر لكبريائه , وما إن وصل إلى حيث المخيم توقف قليلا ليراقب إن ظل أحدهم مستيقظا أم لا.
شعر وديع فجأة بأن شيئا يتحرك على حذاءه فنظر بترو للأسفل فرأى ثعبانا متوسط الحجم بدأ يلتف على حذاءه فكتم صرخته وظل ينظر للثعبان ويتخيل أنه إذا صرخ واستيقظ الجميع سيضحكون عليه وينتشر الخبر ليستهزيء به الجميع وكل من صادفه في أي مكان ودون أن يفكر أمسك برأس الثعبان وكأنه في لحظه طرد كل الخوف من قلبه ونظر لعيني الثعبان ولمعت فكرة أخرى في رأسه .
أخذ وديع الثعبان وتوجه إلى الخيمة التي ينام فيها الشباب فرأى من خلال فتحة صغيرة أن باسما على الطرف الآخر من الخيمة , فأدخل الثعبان
على حيث يمكن أن يصل إلى باسم بسهولة وانصرف مسرعا دون انتظار ماسيحدث.
ما إن وصل وديع إلى البيت حتى ارتمى على سريره لايعرف سببا لارتجاف أوصاله ولكنه كان فرحا وكان يشعر بنشوى الانتصار وخلد إلى النوم وكأن شيئا لم يحدث.

في صباح اليوم التالي أيقظته والدته للذهاب إلى العمل مع والده وسألته عن الكدمات التي تورمت على وجهه , فأعاد عليها نفس القصة التي أخبرها لوالده الليلة الماضية وطلبت منه أن يظل في المنزل ولكنه أبى خوفا من والده ولكي يحاول معرفة الأخبار عن باسم.

بينما كان وديع مع والده في السيارة لم ير في الطريق أي شيء يثير الريبة أو يدل على حدوث شيء ....فأصيب بخيبة ألم لأن خطته لم تنجح ولكنه ظل مصمما على رد اعتباره مهما كلفه ذلك.
ظل وديع طوال النهار يفكر وهو يعمل في طريقة أخرى ينال بها من باسم في هذه الأثناء وصل الأستاذ إبراهيم إلى الموقع وترجل من سيارته وراح يتحدث مع المهندس قليلا ثم رحل..... وأثناء الغداء لم يتحدث المهندس أو يضحك كعادته مع العمال.
عامر : مابالك سيدي المهندس ؟!! هل هناك خطب ما في العمل؟
المهندس: لا ولكن هناك أمر أزعجني قليلا.
عامر: هل لنا ان نعرفه؟
نظر وديع إليه وقلبه يخفق بشده واحمر وجهه وظن أن أحدا قد رآه ليلة البارحه وظل ينظر تارة للمهندس وتارة لوالده ولكن أحدا لم ينظر إليه.
المهندس: لقد أخبرني الأستاذ إبراهيم أن باسم ابن أخيه لدغته حية سامة بينما كان في المخيم مع أصدقائه وبسبب تأخر نقله إلى المستشفى فهو الآن في خطر ويصارع الموت لأن حالته سيئه جدا.
عامر: ألم يأخذ هؤلاء الأولاد احتياطهم في مكان مليء بالمخاطر كالغابة.
المهندس: نعم , إنها حوادث تحدث دائما.
ظل وديع منصتا يحاول إخفاء فرحته ولمعة الانتصار في عينيه بعد أن تأكد الآن من نجاح خطته التي لن يشك فيها أحد.
عامر: إذا عرفت شيئا عن حالته أرجوا أن تطمئنّا.
المهندس: نعم بالتأكيد.
لم يكن نشاط وديعا طبيعيا ذاك اليوم وكان وللمرة الاولى يشعر أنه مستمتع بيومه رغم الشمس وحرارة الجو , وما زاد الأمور سرورا زيارة ولاء له أثناء العمل.
ولاء: مرحبا سيدي المهندس.
المهندس: مرحبا آنسة ولاء , آسف جدا لما سمعته عن باسم. هل تتحسن حالته؟
ولاء: لازال في غرفة العناية الفائقه ولا أحد يعرف متى ستستقر حالته.
المهندس: أرجوا له الشفاء العاجل.
ولاء: هل يمكنني سيدي المهندس اصطحاب وديع إذا سمحت.؟
المهندس: هل تعرفينه؟!!!
ولاء: نعم لقد كان احد طلاب والدي.
المهندس مبتسما: حسنا من اجلك سأسمح له بإجازة بقية اليوم.
ولاء: أشكرك .
غسل وديع يديه وهرع مسرعا مع ولاء إلى سيارتها تحت نظرات الاستغراب الواضحة على وجه والده.
ولاء: كيف حالك ؟
وديع: ككل يوم, لاجديد يذكر.
ولاء: هل مازلت غاضبا بسبب ماحدث ليلة البارحة؟
ابتسم وديع ابتسامة ماكرة: لقد نسيت الموضوع.
ولاء: هل سمعت بما حل بباسم؟
وديع: نعم سمعت. هل انت حزينة لأجله؟
ولاء: رغم استيائي من موقفه معك ليلة البارحة إلا أنني أشفق على حاله, لقد كنا في حالة هلع شديدة حين سمعنا صرخاته وكان منظره مرعبا وهو يحاول إبعاد الثعبان عنه بمساعدة حسام و يزن. يا إلهي كانت ليلة قاسية جدا .
وديع: هل حالته سيئه إلى هذا الحد؟!!
ولاء : لدغه الثعبان مرتين أو ثلاثا تقريبا وهذا مازاد حالته خطورة.
وديع: وهل تعتقدين أنه سينجو؟
بدت الدهشة في عيني ولاء: أرى في لهجتك أنك تتمنى غير ذلك.
وديع: لايهمني الأمر في كلتا الحالتين . فأنا أعتقد أنك تعرفين أن علاقتي به لم تكن جيده ولا تذكر ولم نتعرف على بعضنا بشكل كاف بل وأعتقد أن هذا عقاب الله له على مافعله معي.
ولاء: لا أحب لهجة الشماتة في كلماتك.
وديع: إن لم يكن أرداه الثعبان لكنت فعلت أنا.
ولاء: هل كنت تنوي قتل باسم؟
وديع: لن يصل الأمر إلى حد القتل ولكنني وددت لو أثأر لكرامتي التي عبث بها أمام الجميع.
ولاء: أتفهم سبب قولك لمثل هذا الكلام.
وديع: حقا؟!!
ولاء: نعم , لأنني أردت أيضا أن يأخذ جزاءه على ما فعله بك ولكن صدقني إن رأيت حالته ستدعوا له بالشفاء.
وديع: لا أريد رؤيته مجددا , ولكن لماذا أتيت لاصطحابي؟!!!
ارتبكت ولاء من سؤال وديع: لا أعرف ولكني رغبت بالتحدث إليك , لا أعرف لماذا أشعر وكأننا نفهم بعضنا البعض.
صمت وديع لبرهة وظل ينظر لولاء ويشيح نظره عنها باستحياء .
ولاء: لم هذا السكوت؟
وديع: ماذا أقول؟
ولاء: أي شيء تود قوله.
وديع: أتريدين الحقيقة؟
ولاء: أها.
تلعثم وديع وكأن الحروف تتدافع من بين شفتيه : منذ رأيت خوفك عليّ ودفاعك عني بالأمس وطيفك لايفارقني , أود لو نعرف بعضنا أكثر , ولكن؟!!
ولاء: ماذا هناك؟
وديع : ألن تُغضب صداقتنا والدك؟
ولاء مبتسمة : لاتقلق , فوالدي علم بما حدث ليلة الأمس ولأنه لا يحب العنف طلب مني أن أقطع علاقتي بباسم كصديق وأن أكتفي بإلقاء التحية عليه كلما قابلته.
وديع: جيد, أتمنى أن تسير الأمور على أفضل حال.
ولاء: أرجوا ذلك.
ازدادت المقابلات في تلك الفتره بين وديع وولاء حتى أنها أصبحت تقضي أيام الإجازات معه في المنزل مع عائلته وأصبحت صديقة لأخواته وتوطدت علاقتها بوديع الذي لم يعد يكترث بباسم وأخباره الذي تماثل للشفاء وخرج من المستشفى لأن ولاء وفت بوعدها وقطعت علاقتها بباسم وأصبح الجميع يعلم أن ولاء أصبحت حب وديع الذي لم يكن يفارقها إلا أمام باب منزلها ليودعها قبل أن تخلد للنوم.
مرت الأيام سريعة وحان وقت ذهاب وديع إلى العاصمة للدراسة , فكان الوداع مريرا بين ولاء ووديع وافترقا على أمل أن يهاتفا بعضهما إلى أن يلتقيا ثانية في إجازة منتصف العام الدراسي.
رحل وديع بعد أن جعلته يعدها بأن يتفوق في دراسته فوافق من فوره من أجلها.



يتبع....................ززز

برونزيه
12-28-2008, 06:52 PM
استمري في الكتابة فان لك متابعين اشتقنا للتتممة

أشكرك على المتابعة وأتمنى أن أعرف رأيك بعد الحلقة الأخيرة:)

تقبل تحياتي

برونزيه
12-28-2008, 06:55 PM
اشكرك على تواجدك عزيزتي أوركيديا ولن يطول انتظارك
دعمك يعنيني وتواصلك يحمسني

برونزيه
12-28-2008, 06:57 PM
في انتظار باقي القصه للعوده والتعليق

أشكرك عزيزي على المتابعة وسأنتظر التعليق بشغف بعد نهاية القصة

تحياتي

ادهم
12-30-2008, 01:43 PM
سلمت يدك

في لهفه لمعرفه باقي القصه

برونزيه
12-31-2008, 12:46 AM
رحل وديع إلى العاصمة وحل ضيفا على عمته التي لم يرزقها الله بالأولاد وجعلته هي وزوجها بمثابة ابن لهم ووفرا له كل مايحتاجه من أجل دراسته فأحبهما وديع كثيرا وصار يقضي الوقت الطويل والممتع مع عمته وزوجها ويصطحبانه للنزهات وشعر وكأنه وُلد من جديد وصار يتأمل كثيرا حنان عمته وزوجها واهتمامهما الذي طالما افتقده في منزل والديه بسبب جبروت والده المستمر وسلبية والدته التي لانهاية لها, وكان يتحين الفرص وأوقات الهدوء ليحكي لهما عن ولاء , عن تلك الفتاة الرائعة التي تمكنت من قلبه في وقت قصير وشعر معها بالسعادة وشعر في غيابها بالشوق إلى عينيها الرقيقتين وإلى وجهها الذي لم ينسه أبدا حتى أنه كان يرى ملامحها بين أسطر كتبه.
عكف وديع على دراسته ليختصر الزمن ويعود إليها , حتى أنه لم يتردد كالماضي في تكوين صداقات جديدة , حتى أنه كان يحكي لأصدقائه وصديقاته عن حبيبته التي تهاتفه كل أسبوه للاطمئنان عليه وعلى سير مستواه الدراسي وكان يصف شعوره الغريب اللذيذ حين تنتهي المكالمة ليظل يفكر فيها ويتذكر ضحكاتها وابتساماتها التي كانت تشرق أمامه كما لو كانت تجلس بقربه.
كانت السنوات تمر أحيانا سريعة وبطيئة ومتعبة أحيانا اخرى وكانت عمته تمر أمام غرفته وهو يستذكر دروسه والدموع في عينيها لأنها متأكده أنه سيأتي اليوم الذي يعود فيه وديع إلى بلدته وستعود الوحدة لتحل مكانه من جديد ولكن ماكان يعزي هذا الشعور الفرحة التي تراها في عيني وديع كلما تكلم عن الوقت الذي سيعود فيه لولاء وأنه سيخطط بجدية لمستقبله حتى يليق بفتاة في مثل مركزها ومركز والدها .
مرت السنوات الأربع ولم يتبق على نهايتها سوى ثلاثة أشهر ليعود ويستقر بجانبها للأبد وبينما كان يتصفح بعض كتبه رن الهاتف .
وديع: ألو.
ولاء: اشتقت إليك كثيرا.
شعر وديع وكأن قلبه سيقفز من بين أضلعه وظل يبتسم وهو ينظر من النافذه نحو البستان الصغير أمام منزل عمته .
ولاء: أشعر بما تشعر به الآن ياعزيزي دون أن تخبرني .
وديع: أحبك وسأظل أحبك بنفس القوة ولو أصبحنا كهلين لانقوى حتى على الكلام.
ضحكت ولاء : هل ستحبني حقا والشيب يملؤ شعري .
قاطعها وديع: سأحبك حينها أكثر.
ولاء: أمعقول؟!!! وكيف ذلك.
وديع : أتخيل نفسي الآن وأنا أمسك بعصا أتوكأ عليها وأقترب نحوك , هاهي النظرة الناعمة التي تذيبني شغفا لم تتغير , وهاهي ابتسامتك الخجولة تهز أوصالي وأراني أحاول هز ذاك الغصن بعصاتي لأُسقط ثمرة تين من أجلك.
ولاء: يا إلهي , كم أنت رائع يا وديع . صدقني إن لم يحدث يوما ماتحدثت عنه الآن فسيكفيني أنني عشت هذا الشعور ولو مرة واحدة في حياتي.
وديع: أنا واثق كل الثقة أن هذا اليوم سيأتي بإذن الله لأجعل كل يوم يشرق فيه وجودك في حياتي أجمل.
تنهدت ولاء تنهيدة أمل : حسنا , أخبرني عن امتحاناتك.
وديع: إنني أتوق حقا ليوم التخرج من مرحلة الثانوية لأنتقل سريعا للجامعه ولكن مايضايقني أنك ستتخرجين قبلي بعامين.
ولاء: لايهم . المهم أن نكون معا.
وديع: الفترة القادمة ستكون ان شاء الله آخر أيام أقضيها بعيدا عنك.
ولاء: لا تقل بعيدا عني لأنك في قلبي للأبد.
وديع: هذا مؤكد حبيبتي وسأكثف جهدي لأنال أعلى التقديرات.
ولاء: كلي ثقة أنك لن تخيب ظني قط.
انتهت المكالمة محملة بالآمال والأحلام والوعود كأي شابين أحبا بعضهما واتفقا بكل براءة على مستقبلهما الرائع معا.
لم ينتظر وديع يوما آخر بعد استلام شهادته ووسط دموع عمته وزوجها ليجمع متاعه ليعود لبلدته الصغيرة التي اشتاق فيها لرائحة حبيبته .
انهمرت دموع عفراء ( عمة وديع ) وهي ترتب مع وديع ملابسه وأغراضه وتراقب سعادته ولهفته التي لم تفارقه خلال السنوات الماضية.
عفراء : هل ستتركنا بهذه البساطة يا بني.
ترك وديع أغراضه وتوجه نحو عمته التي كانت تخبّيء وجهها نحو خزانة الملابس تحاول تجفيف دموعها وحتى لايراها وديع ويتسلل الحزن إلى قلبه.
وديع: عمتي , إن كل يوم قضيته في هذا المنزل كان بمثابة حياة جديدة لي , لو خُيّرت قبل أن أولد لما اخترت أما أفضل منك ولم يخطر ببالي يوما أنني سأحظى بحنان أب رائع كالعطف الذي غمرني به عمي نبيل.... عمتي أرجوكِ لاتبكِ فدموعك تزيد موقفي صعوبة.
دخل حينها العم نبيل واحتضن وديع وكأنه ابنه بالفعل وأغمض وديع عينيه ليعيش متعة هذه اللحظة التي يعرف أنه لن يعيشها أبدا من والده عامر ولأنه سيشتاق لدعم وتفهم العم نبيل الذي لم يتوانى ولو للحظة من مساعدة وديع خلال أيام دراسته.
نظر نبيل بتمعن لعيني وديع : انت ابن لنا بالفعل يا وديع وسنظل ننتظر اليوم الذي ستزورنا فيه .
اغرورقت عينا وديع للمرة الأولى أمام أحد وارتمى في حضنيهما معا والكلمات تتحدرج في حلقه : سآتي قريبا جدا , لقد أعدتما ثقتي في نفسي وتعلمت منكما ما لم أكن لأتعلمه لولا وجودي بينكما .
لحظة وداع وديع كانت الأقسى في حياة عفراء و نبيل الفارغة إلا من حبهما الذي اتخذه وديع مثلا أعلى لعلاقته بحبيبته ولاء حين كان ينظر لعمته وزوجها وهما يحتسيان الشاي بالياسمين عصرا في حديقة منزلهما الصغيرة ولازالت هناك أحاديث يتبادلانها بعد كل هذا العمر معا.

رحل وديع يسبق الشوارع والأشجار نحو محطة القطار .... وظل يتأمل لحظة اللقاء طوال الطريق إلى أن استفاق على النداء الذي ينبيء بوصوله للبلده لا بل بوصوله لمحبوبته.
ترك وديع محطة القطار خلفه وذهب مباشرة إلى ذاك المكان في الغابة حيث كانا يتقابلان بعيدا عن أعين أهل البلدة وضوضاءها .... ألقى وديع حقيبته على الأرض بمجرد أن تراءى له محيا حبيبته وركض نحوها وهي تسابق خطوتها نحوه وضم يديها , وظل ينظر إلى وجهها يتأملها , يلمس وجنتيها ويمسح دمعة الشوق التي لا ضرورة بعدها للكلام.
جلسا تحت الشجرة يحاولان إشباع شوق عينيهما بين أصوات الطيور ورائحة مياه النهر التي تتوسط الغابة.
وديع: آه يا حبيبتي لا أصدق أنني أراكِ.
ازدادت حمرة وجنتها خجلا: بل أنا التي أشعر وكأنني في حلم .
وديع: حان وقت تحقيق الأحلام ياعزيزتي , لن أفارقك إلى أن أنهي الجامعة ثم أذهب لوالدك لأخطبك ونجهز لحفلة زفافنا التي لن تكون كأي حفلة زفاف رأيتها في حياتك.
سكت وديع حين بهت وجه ولاء فجأه.
وديع: ولاء حبيبتي , مابك؟
ولاء: لا تقلق إنه ألم بسيط سيزول بعد قليل.
وديع: ماالذي يؤلمك حبيبتي؟
ولاء: لا عليك ,إنه ألم يأتيني أعاني منه منذ فتره ولكني واثقه أنه لا شيء خطير.
أمسك وديع بذراع ولاء: انهضي معي حبيبتي , هيا.
ولاء: انتظر انتظر.
وديع: علينا الذهاب فورا على الطبيب.
ولاء: لاتضخم الأمر عزيزي , انه أمر بسيط.
وديع: ألا ترين كيف شحب لونك وازرقت شفتاك ؟!!
ولاء: هلا اصطحبتني إلى البيت , أشعر بالدوار.
وديع: أنت عنيدة, هيا إلى البيت .
أسندها وديع إلى ذراعيه وأسرع بها إلى منزلها وطلب منها أن يظل بجانبها ولكنها أخبرته أنها في حاجة إلى النوم وأنهما سيتقابلان غدا.
غادر وديع منزلها والقلق يتآكله ورجع إلى منزله .
استقبلت لميس ابنها بالعناق الحار واستقبلنه أخواته بالغناء والقبلات فلقد اشتاقوا جدا لوجود أخيهم الذين كانوا يسمعون معظم أخباره من ولاء حتى أنهم تخيلوه شخصا آخر غير وديع الذي كان يتعامل معهم وكأنه مصاب بالتوحد ولكن في خضم هذه الفرحة أو بالأحرى في بدايتها ساد الصمت فجأة حين دخل عامر المنزل .
نظر عامر إلى وديع وكأنه شخص زائر: منذ متى وأنت هنا؟
رمقته لميس بنظرة استياء ثم ابتسمت ونظرت إلى ابنها: وديع اذهب ياعزيزي وقبل والدك.
تقدم وديع بخطوات متثاقلة وصافح والده تعلو عينيه نظرات مبهمة : كيف حالك؟
عامر: أتهتم حقا لحالي؟
حمل وديع حقيبته وتوجه إلى غرفته وتجاهل ماحدث بينه وبين والده وظل يفكر في أمر ولاء ولم يستطع النوم طوال الليل إلى أن بزغت أول خيوط الفجر وتوجه إلى منزلها ورأى نور غرفتها لازال مضاء مما زاد من توتره وشكوكه بأن هناك ماتخفيه ولاء عنه. وظل واقفا إلى أن بدت الشمس بالشروق.
فجأه وقفت ولاء على نافذة غرفتها وبدا لها وديع يقف على الجانب الآخر من الطريق فأشارت إليه أن يأتي أمام باب المنزل ولكنه فوجيء بخروج والدها الذي أخبره أن ولاء لاتزال نائمة.
عاد وديع مرة أخرى عصر ذلك اليوم ووجدها بصحة جيده فتنفس الصعداء ولكنه لمح القلق في عينيها.
وديع: أخبريني حبيبتي مالذي تخفينه عني؟
ولاء: لا أريد أن أقلقك حبيبي.
وديع: مالأمر ؟!!!
ولاء: والدي متعب وأنا قلقه على صحته وكلما تذكرت ذلك شعرت بالتوعك.
وديع: كيف ذلك؟
ولاء: تدهورت صحة والدي منذ فترة وأخبرنا الطبيب أنه بحاجة لمتبرع بالكلى وإلا ستسوء حالته تدريجيا.
وديع: ألم تجدوا متبرعا؟!!
ولاء: مازلنا نحاول الاتصالات بمستشفيات عده .
وديع: ألا يوجد متبرع من العائلة؟
ولاء: لقد خضعت للفحص أنا ومعظم أفراد الاسرة ولكن لم تتطابق النتائج .
وديع: تعالي معي الآن للمستشفى.
ولاء: ولم؟
وديع: سأخضع للفحص فربما تطابقت فحوصي .
ولاء: لا , لا أعتقد أن عائلتك ستقبل بأمر كهذا.
وديع: لا عليكِ واتركي أمر عائلتي لي.
ولاء: ولكن.
وديع: إن لم تأت معي سأذهب وحدي.
ذهبا إلى المستشفى وولاء كلها أمل أن تستجاب دعواتها , وكانت هذه المرة كسابقاتها نتيجة مخيبة للآمال فاستقبلت ولاء الخبر باكية.
وديع : آسف جدا يا حبيبتي , تمنيت لو استطعت فعل شيء .
ولاء: لن أنسى موقفك هذا ماحييت وهذه إرادة الله.
وديع: ومالعمل الآن؟
ولاء: مابيدنا حيلة سوى الانتظار وارجوا الله ان نجد متبرع قريبا.
وديع: لدي فكرة.
ولاء: أنجدني بها.
وديع: زوج عمتي له علاقات جيده جدا بأطباء لهم صيتهم في العاصمة سأذهب إلى هناك وأرى مايمكننا فعله.
ولاء: هل ستتركني ثانية؟ لماذا لا تتصل بهم أولا وترى مايمكن ان يحدث وأنت هنا؟
وديع: الأمر ليس بسيطا , يحتاج أن أذهب مع زوج عمتي إلى هنا وهناك لمحاولة إيجاد متبرع وزوج عمتي رجل كبير لن يستطيع تحمل كل شي وحده.
ولاء: هل سيوافق والدك على ذهابك مرة أخرى وأنت لم يمض على عودتك وقت طويل؟
وديع: لم تنظرين إلي وكأنني لازلت طفلا تحت وصاية والديه المطلقة؟!! كيف تحبين طفلا وتبنين آمالا مع شخص لا أهلية له.
ولاء: ما عنيت كل هذا حبيبي.
وديع: لا عليكِ , سأجهز نفسي لأسافر صباح الغد وأتمنى أن أُوفق .
غادر وديع البلدة في الصباح الباكر وترك ورقة على طاولة المطبخ كتب فيها أنه تلقى اتصالا مهما من مدرسته في العاصمة واضطر للسفر باكرا وسيعود خلال أيام.
جعلت لميس ابنتها عُلا تقرأ لها ما كُتب في الورقة ودمعت عيناها من طريقة حياة ابنها الذي لم تفهمه يوما , ارتجفت علا حين تفاجأت بوالدها متكئاً على الحائط ينظر إليهما .
عامر: ماهذه الورقة.؟
لميس: إنها ,إنها
عامر: إنها ماذا يا امرأة ؟ هل ابتلعت لسانك؟.... ماهذه الورقة يا عُلا؟
علا: هذه , هذه ورقه كتبها وديع .
عامر: أصبح يراسلكما من غرفته؟ مابالك يا امرأة وكأنك رأيت شبحا؟
سحب عامر الورقة من يد علا وقرأها حسبما تعلم واحمر وجهه غضبا : أيحسب نفسه قد أصبح رجل هذا المنزل ليخرج وقتما شاء ودون إذن أحد؟
لميس: يا أبا وديع.
صرخ عامر في وجهها : لا تقولي أبا وديع , فالابن لا يتجاهل والده , هذا الولد لا يفهم إلا حين يُصفع على وجهه.
ارتدى عامر ملابسه وخرج دون افطار متوعدا وديع حين يعود بمعاملة يستحقها .
طال غياب وديع وهو يتنقل بين المستشفيات يبحث ويستعطف حتى أنه كان يخرج صباحا ويعود ليلا تعبا فينام ليقوم مرة أخرى ويبحث دون كلل أو ملل حتى أنه رفض الاتصال بولاء إلى أن يجد خبرا مفرحا ينقله إليها.
مرت الأيام طويلة مرهقة يتخللها الأمل تارة واليأس تارة أخرى ولكن مرّ شهران دون أدنى بريق أمل بإيجاد متبرع مناسب فقرر حينها العودة ومحاولة مايستطيع فعله بجانب حبيبته.
رجع وديع للبلدة ليلا ومر بقرب بيت ولاء ولم يلمح أحدا فرجع إلى منزله ووجد عائلته لازالت مستيقظة مجتمعون أمام التلفاز.
تفاجأ وديع حين دخل من الباب من ردة فعل عائلته الغير طبيعيه . بهتت الوجوه وتعلقت النظرات نحوه دون تعليق .
وديع: مرحبا.
عامر: حمدا لله على سلامتك يابني.
زادت الدهشة على محيّا الجميع ومن ضمنهم وديع بردة فعل عامر الغريبه والتي لم تكن لتخطر على بال أحد.
نهضت لميس لتحتضن ابنها : لماذا لم تتصل بنا يا بني؟ لقد قلقنا عليك كثيرا ولم نكن نعرف أنك بخير إلا من عمتك.
وديع: كنت مشغولا جدا.
عامر: رغم انزعاجي من طريقة سفرك ولكن ماقمت به ينبيء بأنك مشروع رجل سينجح يوما.
رغم أن هذه الكلمات لم تكن مشجعه ولكن تقبلها وديع بالبرود المعهود لأنه على يقين بأنه لن يكون عند حسن ظن والده مهما فعل.
حين صعد عامر إلى غرفته لينام ظل وديع مع والدته وأخواته يتسامر معهن وهو يتحين الفرص لإيجاد طريقة يسألهن بها عن ولاء.
وديع: ألم تسمعن أخبارا عن والد ولاء؟
اصفرت وجوه الجميع فجأه وخيم الصمت على امكان وتظاهرت الأخوات أنهن لم يسمعن السؤال وتوجهن لمشاهدة التلفاز, إلى أن قفزت أخته الصغرى ( لينا) تحاول أن تتحدث ولكن لميس أغلقت فمها بيدها.
لميس: أصمتي.
تسارعت ضربات قلب وديع وشعر أن مكروها قد حدث ربما لوالد ولاء.
وديع: سأذهب إليها.
لميس: الوقت متأخر يابني انتظر حتى الصباح.
وديع: إن لم تخبريني ما الأمر سأذهب إليها الآن.
علا: ولاء بخير يا أخي , ولكن.
وديع: لكن ماذا تكلمي.
لميس: بني , لقد تمت خطبة ولاء منذ 10 أيام ...انسى أمرها يا بني وفكر في مستقبلك وحياتك.
وديع: أمي لاوقت للمزاح أرجوكِ.
لميس: كل شيء قسمة ونصيب يابني وهذا قدر.
دمعت عينا وديع وهو لايصدق ما حدث: لماذا؟ وكيف حدث ذلك ؟ ولمن خطبت؟
علا: سمعت أنها خطبت للشخص الذي سيتبرع لوالدها بكليته.
وديع: أنا لا أفهم شيئا. ما هذا الكلام اللامنطقي, لابد وأنه اختلف عليكم الأمر.
لميس: بني لا تزد الأمر سوءا ... والدك أخبرني أنها خطبت للمتبرع , وهذا المتبرع ليس إلا باسم ابن عمها وهذا الموضوع حقيقي والبلده كلها تتحدث عن خطبتهما .
صُعق وديع بهذا الخبر : ولماذا لم تخبرونني ؟ لماذا لم تخبري عمتي؟
بكت لميس على حال ابنها : لم أرد أن تُصدم بهذا الخبر وانت هناك يابني.
خرج وديع ولم يلتفت لتوسلات والدته واخوته وركض باكيا بصمت نحو منزل ولاء وظل واقفا هناك والأفكار تملؤ رأسه حول كل شيء , تسرد مخيلته الذكريات وهو يحاول أن يتماسك وخاصة حين يتخيل أن الذي حل محله باسم , الشخص الذي أهانه سابقا يحاول الآن سرقة حلم عمره وتدمير كل ماتبقى له في هذه الحياة.
ظل وديع منتظرا إلى أن لمحها من نافذة غرفة المعيشة في الطابق السفلي فتوجه نحو منزلها وطرق الباب , وما إن رأته ولاء حتى ارتبكت و تغير لونها وشعرت أنها لم تجد كلمة بل شعرت وكأنها نسيت كيف تتكلم.
وديع: اشتقت إليك حبيبتي.



يتبع.................

أوركيديا
12-31-2008, 08:55 AM
تسجيل متابعه :)


..

أوركيديا
12-31-2008, 09:00 AM
لما لايكتمل الحب حتى في القصص :(



متابعه ...









.

برونزيه
12-31-2008, 05:32 PM
الحب الحقيقي الصادق مثل أي شي رائع صاحبه محسود عليه

الله يحمينا من العيب بس :) :) :)

برونزيه
01-01-2009, 06:32 AM
امتلأت عينا ولاء بالحزن فجأة فهي لم تستعد لهذه اللحظة رغم تفكيرها المستمر في طريقة استقبال وديع لأمر خطبتها وطريقة تقبله لهذه الحقيقة الصعبه.
ولاء: حمدا لله على سلامتك.
وديع: هل اشتقت إلي؟
توقعت ولاء أن وديع لم يعلم بالأمر بعد وربما الإرهاق البادِ عليه سببه السفر أو قلة النوم ولكنها استبعدت فكرة علمه بالأمر.
وديع: لماذا لا تجيبيني حبيبتي؟ كنت أنتظرك أمام منزلك إلى أن أشرقت الشمس ورأيتك من النافذه.
ولاء: وديع اذهب إلى حيث كنا نلتقي وسأوافيك بعد نصف ساعه.
نظر وديع إليها مطولا وهو لا يريد تصديق أي شيء مما سمعه ليلة البارحة وتمنى أن تكون إشاعة لا أساس لها.
وديع: حسنا , لا تتأخري أرجوكِ, فما عدت قادرا على الانتظار بعيدا عنك أكثر من ذلك.
أغلقت ولاء الباب وقلبها يعتصره الألم وأثر لقاءها الفاتر على شعور وديع .....الألم يفتك به والتساؤلات ترعبه , لم تقابله باللهفة المعهودة ولم تقل له حبيبي ولا مرة واحده ولم بر في عينيها ذاك الشغف .
توجه وديع نحو الغابة يحاول لملمة نفسه إلى أن يستطيع فهم ما يجري .... جلس تحت الشجرة تساوره شكوك للمرة الأولى بأنها قد لا تأت وظل جالسا يرقب ولاء التي ستظهر بين الفينة والأخرى بين الأشجار ,.ينظر إلى السماء دامعا يدعوا الله أن لا تُقدر مأساة فراقهما .
أخيرا ظهرت ولاء ولكن لم تشرق ابتسامتها كالعادة , هي ولم تكن هي, ابتلع وديع المرارة حين صافحته متهربة النظرات , مرتبكة وكأنها مرت لتسلم وترحل.
وديع: حبيبتي ألن تضميني ؟ ألم تشتاقي إليّ؟
ظلت ولاء تقاوم دموعها : اجلس يا وديع من فضلك.
نظر إليها وديع مستغربا منفعلا ولا يريد أن يصدق هذا الشعور الذي لايفهمه: لن أجلس قبل أن أعرف ما الذي يحدث؟, ومابالك بهذا البرود ؟
ولاء: ارجوك اهدأ واجلس واسمعني دون أن تقاطعني.
وديع: هل أنت في عجلة من أمرك؟ إذا لماذا أتيتِ؟
ولاء: يا إلهي ساعدني, وديع ليس الأمر هكذا , دعني أتكلم أرجوك.
وديع: مممممم حسنا . أنا أستمع.
ولاء: لا أعرف من أين أبدأ ولكن أتذكر تلك المرة التي كنا فيها في الغابة للمرة الأولى , يوم تشاجرت أنت وباسم؟
وديع:أذكر.
ولاء: في ذلك اليوم أخبرتنا يا وديع أن لا شيء يدوم وأننا كمجموعة لن نظل أصدقاء وأننا سنفترق وسيذهب كل شخص في طريق لأن هذه سنة الحياة , أليس كذلك؟
وديع: نعم أذكر ولكن
قاطعته ولاء وهي تهرب بنظراتها من مواجهة ردة فعله : طريقنا الآن أصبح مختلفا يا وديع.
ثار وديع من هول ما سمع : ماهذا الكلام الذي لايمكن تصديقه .
أمسك وديع يديها بقوة وأكمل والدموع تخنق كلماته : حبيبتي ولاء إن طريقنا واحد وإذا كان مشواري الدراسي سيعيق ذلك سأترك كل شيء وأبحث عن عمل وأجد منزلا ونتزوج خلال فتره قصيرة , حبيبتي أنظري إلي , نعم لا تبتعدي بعينيك عني . سأفعل أكثر من المستحيل لأنال إعجاب والدك ليوافق على زواجي بك.
لم تستطع ولاء كبت دموعها أكثر وانهمرت كشلال غاضب: الأمر ليس هكذا أبدا.
لأول مره يصرخ وديع في وجهها : إذن مابكِ؟!!! ماهذه الحيرة ؟ أريحيني أرجوكِ وبصراحة... هل خُطبتِ يا ولاء؟
ولاء: وديع أنا لم أعرف الحب إلا معك ولست مخطوبة أيضا.
رمى وديع بجسده المنهك وأسند ظهره على الشجرة : الحمد لله , الآن أستطيع التقاط أنفاسي كنت أموت حين سمعت خبر خطبتك ولم أصدق أحدا .
ولاء :عرفت ممن؟
وديع : أعتقد أن هذه الاشاعة انتشرت في البلدة ووصلت لعائلتي... ولكن ما حكاية أن طريقنا ليس بواحد؟
نظرت إليه ولاء حزينة تملأ الدموع وجهها وليس وجنتاها فقط وكأنها ستغيب عن الوعي : باسم وأنا تزوجنا كتابيا , ستقام مراسم الزفاف خلال هذا الشهر.
صعق وديع حين سمع بالأمر , كان وقع الخبر كالطامة التي فتتته إلى أجزاء و أرعدت فرائصه وألهبته غضبا .
وقف وديع وبدأ يتحرك بخطوات هيستيرية كما لو أنه واقف على جمر .
وديع: لا لا أحتمل ما تقولين ... قولي أنكِ تكذبين ... قولي أنك تودين إثارة غيرتي لتعرفي مدى حبي لك...أرجوكِ قولي أنني في هذه اللحظة لست وديع أو أنك لست ولاء.
ضرب الشجرة بقوة فأدمى يديه ... حاولت تهدئته ولكن دون جدوى فهي أيضا تحتاج في هذه اللحظة لمن يواسيها .
ولاء: حبيبي إهدأ أرجوك.
وديع: حبيبك؟ حبيبك وأنت زوجة رجل آخر؟ هل تهبين نفسك لمن يتبرع بكليته لوالدك وتقولين حبيبي؟
ولاء : كنت مرغمة , أقسم أن الأمر ليس بإرادتي.
وديع: لا تستخفي بي لتقولي أن الأستاذ إبراهيم أجبرك على ذلك؟
ولاء: لم يجبرني بأسلوب مباشر.
تنهد بعمق ونظر إليها مغتاظا: لقد تعبت , أوضحي .
ولاء: زواجي بباسم كان ثمنا بالفعل للكلية التي تبرع بها لوالدي , كانت مساومة رخيصة منه بعد أن أظهرت التحاليل أنه الوحيد الذي تطابقت أنسجته مع والدي , ورفض أن تتم العملية قبل أن يتم زواجنا كتابيا لنكمل المراسم بعد الزواج ولم يوافق على فكرة خطوبه فقط أبدا.
هدأ وديع قليلا من التعب: لم يكن الزواج هو الثمن , بل كان الثمن قلبي و حبي ومستقبلي الذي شرعت ببناءه منذ سنوات دون هوادة, إن الثمن أغلى من من ذلك بكثير يا عزيزتي.
ولاء: والدي لا يزال في مرحلة النقاهة وقد أوصاه الطبيب براحة تامة دون انفعال أو مجهود والمفروض أن تتم المراسم خلال شهر وأنتقل للعيش معه في المنزل الذي بناه والدي, المنزل الذي كان سيفاجأني أنه لي في اليوم الذي أخبره فيه أنني أحببت شخصا أود الزواج به.
وديع: تقصدين في المنزل الذي كنت أبنيه لكما؟ يا إلهي هذا الألم لا يطاق, حبيبتي أقسم أنه لا يطاق .
وديع: ولاء حبيبتي لاتفعلي هذا بي ...أطلبي الطلاق أرجوكِ.

ولاء: أتعتقد أنه سيوافق وخاصة إذا علم أنك في البلدة؟
وديع: لا تُشعريني باليأس , لن أيأس أبدا .
ولاء: باسم عنيد ويمكن أن يخبر والدي باتفاقي معه وستسوء حالته إن علم بهذا الأمر, باسم شخصية رخيصة لم يثنيه عن الزواج بي عندما أخبرته بحبي لك وأني لا أطيق رؤيته.
وديع: اسمعي , لن أتقبل هذا الأمر مهما كانت الأعذار , سأعطيكِ مهلة لحل هذا الأمر وإلا اضررت لحله بنفسي وربما قتلت هذا الغبي ان رأيته فقط ينظر إليكِ.
ولاء: وهل ستحل الأمر إن قتلته وقضيت عمرك في السجن؟
وديع: أن يكون ميتا وأكون في السجن أهون عليّ من أن أراكما معا, ففي كلتا الحالتين سأُحرم منكِ.
ولاء: وديع حبيبي انتظر أرجوك لا ترحل , انتظر فلم ننهي حديثنا بعد.
تركها وديع خائفة على مصيره ومشى بغضب عارم يمكن أن يقتلع بنظرته المغتاظة أشجار الغابة العتيقة... وشعرت أن العواقب لن تكون جيدة على الجميع بمن فيهم والدها.
عادت ولاء إلى منزلها مثقلة بالهموم تحدث نفسها طوال الطريق وتفكر في طريقة لتمنع بها المصائب التي يمكن أن تحل على حياتها وحياة وديع .
إبراهيم: ولاء؟.. لم تجلسين وحدك هكذا أمام المنزل؟
ولاء: لاشيء يا أبي أردت الجلوس في الهواء قليلا . لماذا نهضت من فراشك؟
إبراهيم: لقد مللت من الفراش وسألت الطبيب إن أمكنني التحرك فرخص لي بذلك شرط أن تكون لفترة قصيدة ودون مجهود يذكر... هل علمتِ أن وديع عاد إلى المدينه؟
ولاء: من أخبرك؟
إبراهيم: جاء باسم قبل ساعة تقريبا وأخبرني بذلك.
انتفضت ولاء في مكانها : أعلمَ باسم بوجود وديع؟
إبراهيم : وما المشكلة في معرفته بذلك بنتي.... أشعر وكأنك تخفين عني أمرا.
فجأة ظهر باسم حاملا باقة ورود على غير عادته وتقدم وكأنه كان قادم على أطراف أصابعه: مرحبا عمي إبراهيم . وانحنى نحو ولاء قليلا: مرحبا حبيبتي.
نظرت إليه ولاء بازدراء: أهلا.... ثم طلبت من والدها الدخول للجلوس بالداخل حتى لا يرهق صحته وما إن أجلسته في غرفة الجلوس حتى ذهبت متهربة من مواجهة باسم لتحضر الشاي.
عندما قدمت ولاء حمل باسم الصينية من يديها ونظر إليها بمكر : أراكِ حبيبتي غير مبتهجة, أهناك خطب ما؟
ابراهيم : لا أعرف مابها فهي على هذه الحال منذ برهة.
باسم : أعلم الارهاق التي تعاني منه حبيبتي للتحضير ليوم الزفاف.
إبراهيم : نعم , أذكر حين كنت أحضر لزفافنا أنا ووالدة ولاء رحمها الله كانت أياما رائعه رغم المجهود.
باسم: ولاء , أتبكين يا عزيزتي.؟
مسحت دموعها قبل أن تتزايد فهي كانت تبكي كلما تذكرت أن زوجها الذي سيقف معها يوم الزفاف لن يكون حبيب العمر الذي تمنته.
إبراهيم : لا تبكِ بنيتي لا بد وأن والدتك سعيده جدا في يوم كهذا ولا بد أنها تشعر أيضا بسعادتنا .
باسم: أتعلم ياعمي لقد أنجزت تقريبا منزلنا وأحضرت الأثاث رغم أنني وددت لو اختارته ولاء معي ولكن أنا واثق أن ذوقي سيعجبها جدا , ولم يتبق إلا القليل فقط.
نظر ابراهيم لابنته التي لم تعلق على شيء ولم تتحدث أبدا : ما بالكِ يا ابنتي أنت على غير عادتكِ!!!!
ولاء: لا شيء يا أبي ولكن كلما اقترب الوقت شعرت بالتوتر فأنا لا أريد تركك وحدك.
ابتسم ابتسامة الأب الحانية: منزلكما ليس بعيدا وسترينني كل يوم تقريبا لا تقلقي.
ولاء : هيا يا أبي لتصعد لغرفتك , كفاك إرهاقا لقد حاون وقت الدواء.
ابراهيم : هيا ياحبيبتي رغم أني افتقدت الجلوس معكِ.
أخذت ولاء بيديه لتوصله لغرفته: ليست إلا أيام وستكون بصحة جيدة وستجلس معي طوال الوقت.
قاطعها باسم بثقل دمه الدائم : نعم يا عمي ستجلس معنا طوال الوقت.
عادت ولاء لتجلس مع باسم قليلا علها تتحلّ بالشجاعة لتحدثه برغبتها في الطلاق رغم معرفتها بالنتائج وخاصة بعد علمه بوجود وديع في البلده.
باسم : تفضلي حبيبتي هذه الأزهار لقد أحضرتها من أجلكِ.
ولاء بتأفف: ضعها على الطاولة... أريد أن أتحدث إليك .
استنتج باسم ما تود أن تتحدث بشأنه وارتسمت تلك النظرة البلهاء على وجهه : نعم حبيبتي كلي آذان صاغية.
ولاء: ألا زلت مقتنعا بالزواج من فتاة تعرف يقينا أنها لا تحبك؟
باسم: أنتِ بطبيعة الحال زوجتي الآن.
ولاء: زواجنا إلى الآن على ورقة فقط ويمكننا أن ننهي هذا الموضوع ونعطي لنفسينا فرصة لنتقرب من بعضنا أولا.
باسم: اعتبري أننا الآن في فترة خطوبة أو تعارف وسأحاول أن أجعلكِ تحبيني ...أنا أحبكِ يا ولاء منذ كنا أطفالا ولا أريد فتاة سواكِ.
ولاء : ولكني لا أريدك. لقد وافقت فقد إنقاذا لوالدي.
باسم: لم أفكر يوما أن أعيش دون كلية أو أن أتبرع لأحد بجزء من جسدي لأحد وفعلت من أجلكِ أنتِ فقط.
ولاء : هذا عمل نبيل و أشكرك عليه ولكن
باسم: أنتِ لم تزوريني سوى مرة واحدة فقط حين كنت في المستشفى وقد نُزعت كليتي من أجل والدك, هل هذا النبل الذي تتحدثين عنه حبيبتي؟
ولاء: أرجوك يا باسم أعطني فرصة كي أحبك دون ضغوط, أعطني فرصة لأحبك لشخصك.. حين كنا في بداية المرحلة الثانوية كنت أشعر أنك قريب مني ولكن تصرفاتك الشرسة هي التي أبعدتني عنك ..أنا فعلا أحتاج فرصة أخرى.
باسم: وماذا عن وديع؟!!!
ولاء: أنت تعرف أن حب المراهقة عادة لا يدوم , لم أفكر في الطلاق من أجل وديع لأنه لا يهمني وخاصة أنك تعرف أنه أصغر عمرا مني وحالة عائلته المادية لا تساعده ليرتبط الآن ,ولا يزال أمامه الكثير ليستطيع أن يكون شخصا مسؤولا ورب أسرة.. أريد الطلاق من أجلي أنا ومن أجلنا معا.
نظر إليها مطولا وهي تبكي بصمت : ولاء سأفكر بالأمر مرة أخرى فربما كان كلامك صحيحا فإن كنت حرة غير مقيدة بورقة الزواج تلك ربما رأيتِ حبي بشكل أفضل وأحببتني وفضلتِ أن تقضِ حياتك معي لأنني أحبك بصدق يا ولاء وأريد أن أشعر بمحبتكِ لي.
شعرت بالأمل ينبض في حياتها من جديد وفرحت بكلامه فهاهي بارقة الأمل والفرصة التي ستمنع الكثير من المشاكل, هاهي الفرصة التي ستعيد لها حبيبها قد أتت دون خسائر وقررت أن تحاول أكثر لتحصل على الطلاق قبل أن يخرج باسم ويفكر ثم يغير رأيه لأي سبب كان.
طُرق الباب كالعادة لأن زوار والدها لم ينقطعوا عن زيارته بعد خروجه من المشفى , تسمرت أمام الباب بلا حراك حين رأت وديع وظلت تشير له بعينيها أن يرحل كي لا يراه باسم ويضيع مجهودها وحديثها معه هباء ,ولكنه لم يفهم مقصدها وظل واقفا يستفسر عن عدم ردها.
وديع: حبيبتي ما بكِ؟!! لا تنظري لمظهري المتعب فأنا لم أنم ولم آكل شيئا وسأموت من التفكير.
تعجب باسم وشك في وقوفها الطويل أمام الباب دون كلام وحركاتها المريبة وذهب ليرى من بالباب.
وديع: باسم؟ ماذا تفعل هنا.؟!!
باسم: هه , أنا في منزل عمي ووالد زوجتي. ماذا تفعل أنت هنا؟
ولاء : اذهب الآن يا وديع .
وديع : لو كنت رجلا لما اختبئت خلف ولاء ولواجهتني رجلا لرجل.
أراد باسم أن يخرج بعد كلام وديع المستفز ولكن ولاء وقفت بينهما لتمنع احتكاكهما .
ولاء : انتظر يا باسم . وديع ارحل أرجوك والدي متعب جدا لا تفعل بي هذا أرجوك.
حين سمع إبراهيم صوت الضجيج وقف على الدرج يحاول معرفة ما يجري : مالذي يجري يا ولاء؟
ولاء : لا شيء يا أبي . لم نهضت من فراشك؟
لمح إبراهيم وديع أمام الباب : مرحبا وديع , حمدا لله على سلامتك يابني تفضل.
نظر وديع لولاء مبتسما بينما صمت باسم وهو يضم يديه بقوة.
إبراهيم : تفضل يا وديع.
وديع: مرحبا أستاذ إبراهيم , حمدا لله على سلامتك .
أسرع وديع ليساعد إبراهيم في النزول عن الدرج أمام دهشة باسم من جراءته التي لم يعهدها قبلا .
إبراهيم : ما كان هذا الصوت العالي يا ولاء.
وديع : لاشيء سيدي . باسم اشتاق لي كثيرا وكان يرحب بي بحرارة .
إبراهيم : رغم أنك كنت طفلا غريب الأطوار قليلا إلا أنني سمعت أنك وُفقت في دراستك بشكل أدهش أساتذتك في مدرسة العاصمة.
وديع: أشكرك على هذا الإطراء سيدي.
دارت حوارات كثيرة بين إبراهيم ووديع في مجالات كثيرة وكبُر إعجاب إبراهيم بشخصية وديع ولباقته و أدبه والرقي في إدارة دفة الحديث بينما كان باسم يراقب الوضع الذي لم يكن مريحا أبدا بالنسبة له وخاصة وهو يراقب نظرات ولاء التي أكدت إعجابها به لدرجة أنها لفتت نظر والدها .
إبراهيم : أين الشاي يا ولاء؟
باسم: عمي , تبدو متعبا وعليك أن ترتاح الآن... شكرا لزيارتك يا وديع.
إبراهيم : ماهذا الكلام يا باسم؟
ولاء: إن أردت الذهاب يا باسم لاتقلق , اذهب وأنا سآخذ والدي ليرتاح فيما بعد.
باسم: هيا يا وديع لندع عمي يرتاح وأيضا أريد أن أتحدث معك في أمر ما.
قرأ إبراهيم الموقف ولكن لم يفهمه بصورة واضحة رغم أنه استشف ما يدور بين ابنته وباسم ووديع.
إبراهيم: باسم اذهب أنت إذا أردت فلا زلت أود الحديث معه .
باسم: لست على عجلة من أمري يا عمي يمكنني الانتظار.
ولاء: إنتظار ماذا؟
وديع : دعيه دعيه .
لم يتحمل باسم برود أعصاب وديع : ومن أنت لتخاطبني بهذه الطريقة؟ من أنت لتأذن لي بالبقاء أو الرحيل؟
غضب إبراهيم من رد فعل باسم بشده: هل تخاطب ضيوفي في حضوري بهذا الشكل ؟ لا فائدة من الكلام معك فلن تتغير أبدا .
أُحرج باسم من عمه : أنا آسف لم أقصد يا عمي أبدا.
إبراهيم: إذن اعتذر لوديع وليس لي.
ابتسمت ولاء على الموقف الذي جعل باسم يعض على شفتيه غيظا.
رحل باسم ولم يستطع أن يعتذر أو أن يقول شيئا ولكن هذا الموقف أسعد وديع وأقلق ولاء جدا لأنها ستضطر لإيجاد طريقة أخرى تقنع بها باسم ليطلقها , ولكنها تناست الموضوع لتقضي وقتا ممتعا وجدته حميما مع والدها وحبيبها . وطوال تلك الجلسة لاحظ إبراهيم السعادة التي فقدتها ابنته وقد عادت إليها وشعر أن هناك تقارب بل شيئا أعمق من ذلك.
ألقى التحية على إبراهيم إذنا بالمغادرة وأوصلته ولاء إلى الباب وظلت ترقبه وهو يرحل ووالدها يرقب الوضع وأشغلته التساؤلات لأن الأمر بدا له وكأنهما على علاقة ليست وليدة اللحظة ولكنه فضل أن يعطي الأمور فرصة لتتوضح أمامه.
لم تعرف النوم تلك الليلة وظلت تفكر كثيرا في كل ما دار خلال اليوم الذي كان صعبا ومرهقا ومتعبا وجميلا في ذات الوقت , ووديع لم يهنأ الفراش وظل طوال الليل يفكر في حل يخرجهما من ورطتهما ويخلصهما من باسم.
ظلت ولاء تحاول يوما تلو الآخر إقناع باسم العنيد بالطلاق, تماطل وتُأخر موعد الزفاف , تستميت في محاولة إبعاد الأفكار السوداء من رأس وديع المتهور إلى أن تعب باسم من مماطلتها وتهربها الدائم منه ومن سلبية عمه حين تعامله وهو زوجها بأسلوب لا يليق به كزوج وقرر حينها وضع حد للموضوع ومواجهة ولاء بحزم.
ذهب إلى منزلها فترة الظهر وهو على علم أن عمه نائم , فاستقبلته وهي لاترغب برؤيته لأنها كانت على موعد مع حبيبها الذي ينتظرها في مكانهما المعتاد.
باسم: لقد تعبت من الانتظار وأريد تحديد موعد ليوم الزفاف وإلا سأضطر إخبار عمي بالاتفاق الذي تم بيننا ولن أهتم لم سيحدث بعدها.
ولاء: أنت حقير و نذل حقيقي.
باسم: لم أرغب بقول ذلك ولكنك تضطريني لأن هذا كان اتفاقا بيننا وأنت وافقتِ.
ولاء: وافقت لأنه لم يكن أمامي خيار سوى إنقاذ والدي الذي هو عمك لو نسيت.
باسم: لم أنس صدقيني ولكنني رأيتها فرصة لتكوني زوجتي دون أن ترفضيني.
ولاء: أرجوك أريد الطلاق.
باسم: أقسم أني سأحاول إسعادك بشتى الطرق , جربيني.
ولاء: هل هذه تجربة؟ أنت تتكلم في مستقبل بأكمله .
باسم: أحبكِ يا ولاء , دعيني أثبت لك ذلك ونحن وحدنا, سأوفر لكِ كل ما تتمنينه وسنسافر إلى كل مكان في العالم وسأجعلكِ أميرة حقيقة , وأنا واثق أنكِ ستحبيني.
ولاء: لن أحبك وأنا أشعر أنك ترغمني على ذلك.
لم تنفك ولاء تطالع الساعة تارة وتكمل حديثها تارة أخرى مما أثار الشكوك لدى باسم وبخبث هم بالمغادرة دون أن تلحظ ما يخطط له.
ذهبت لتقابل وديع ولم تكن تعلم أن باسم كان يراقبها منذ لحظة خروجها من المنزل وما إن وصلت ورأى وديع حتى استشاط غضبا وظل يرقبهما من بعيد ليسمع حديثهما.
وديع : اشتقت إليكِ كثيرا يا حبيبتي .
ولاء: لقد تعبت كثيرا ,أشعر وكأن حياتي قد دُمرت.
وديع : ألم يقتنع بعد.
ولاء: لا.
ظلت ولاء تبكي ووديع يمسك بيديها ويربت على كتفيها .
ولاء: إن الأمر يزداد تعقيدا ولا أريد أن تقع المشاكل بسببي.
وديع: أنا أيضا لا أحب المشاكل ولكني لن أتقبل الأمر و أحاول دوما إقناع نفسي أن الأمر سينتهي قريبا.
ولاء: أنا آسفة حقا.
وديع: لا تقلقي حبيبتي حاولي أكثر و سأنتظر , هل تفضلين أن أتحدث أنا إليه.
ولاء: إن فعلت ذلك سيزداد عندا .
وديع: وما العمل إذن؟
ولاء: لا شيء حبيبي سوا الصبر.
وديع : لقد وضعتنا في مأزق كبير.
ولاء: أقسم لك أنه لم يكن بيدي حيلة فلقد استغل تأخر حالة والدي وطلب أن يتم الزواج قبل العملية وقبلت .
وديع: أشعر أني أود لو أبرح ذاك الغبي ضربا إلى أن يطلقكِ.
استفزت هذه الكلمات باسما فخرج لهما والشر يملأ عينيه.
باسم: أرني كيف ستبرحني ضربا أيها الحقير.
جُنت ولاء حين اشتبكا وكان كل منهما يضرب الآخر ولكن لأن وديع كان قد التحق بدروس في الكاراتيه في العاصمة استطاع أن يبرح باسم ضربا إلى أن أفقده قواه ولم يوقفه إلا عدم مقامة باسم الذي ملأ الدم وجهه وصرخات ولاء .
ركض باسم إلى سيارته وعاد ومعه مسدس فهرعت ولاء لتقف أمام وديع كي لا يتأذى.
باسم: هل تحسب أنك ستنجو بفعلتك هذه؟
وديع: لقد حذرتك من العبث معي ولم تستمع.
ولاء: أرجوك يا باسم ارم سلاحك الآن.
باسم: هل تعتقد أني سأترك لك زوجتي ؟ لن أطلقها أبدا.
وديع : ستطلقها رغما عنك.
ولاء: وديع أرجوك كفى .
باسم: خائفة على نفسكِ أم عليه؟ لا يمكنكما إجباري على شيء, أتفهمان.
ولاء: لاتتهور يا باسم أرجوك ودعنا نتحدث كراشدين.
باسم: كنت أتوق للزواج بكِ لأنني أحببتك بصدق ولكن بعد ما رأيته وما سمعته منكِ اليوم سأكمل الزواج من اجل كرامتي التي أهدرتها بقدومك إلى هنا.
ولاء: لم يحدث بيني وبينه مايسيء لكرامتك.
باسم : أعتقد أنني المغفل الوحيد في هذه البلده لأني ورغم كل الإشاعات التي سمعتها عن رؤيتكما معا لم أصدق , سأجعلكِ تندمين على كل هذا.
وديع: لا تخاطبها بهذه الطريقة وإلا
باسم: وإلا ماذا تقدم خطوة أخرى وسأجعلك جثة هامدة أمام عينيها .
ولاء: لا أرجوك يا باسم لا.
باسم: تعالي , هيا كي أوصلكِ للبيت.
ولاء: سأذهب بسيارتي.
باسم: تقدمي الآن وإلا ذهبت لوالدكِ وأخبرته تصرفك المشين هذا , هيا.
نظرت إلى وديع باستحياء: اصبر واترك الأمور للأقدار.
طوال الطريق وهما في السيارة ظل باسم يهدد بالانتقام من وديع وهي تبكي و لا تعرف ماذا تفعل, توقف على جانب الطريق يراقبها وهي تبكي بصمت .
باسم: إذا أردت أن لا أؤذيه عليكِ أن توافقي على ما سأخبرك به.
ولاء: أكمل.
باسم: أخبري عمي أنكِ تودين الاطمئنان أكثر على صحته وترغبين في الذهاب إلى مستشفى أفضل في العاصمة وسنقيم زفافنا هناك وسنكمل دراستنا في جامعة هناك فلم يتبق لنا سوى سنتين . وإن لم توافقي أقسم أنني سأخبر والدكِ باتفاقنا وسأقتل ذاك الغبي ولن يعرف أحد طريق جثته.
أغمضت عينيها باستسلام وأومأت برأسها بالموافقة وابتلعت مرارة واقعها , وبالفعل اتصلت أولا بوديع لتطلب منه فرصة لحل الأمور بمفردها دون أن يتقابلا ودون أن يزورها واستطاعت إقناع والدها بزيارة مستشفى العاصمة ولتقيم زفافها هناك لأنها ترغب بذلك.. وافق والدها رغبة منه بإسعاد ابنته وذهب باسم لأصدقائه المقربين ليدعوهم إلى حضور الزفاف في العاصمة وأبدوا ترحيبا بتلبية دعوته.
اشتاق وديع لرؤية حبيبته ولو من بعيد رغم أنه يحتفظ بصورتها في جيبه وكأن قلبه ساقه ذلك اليوم ليرى حبيبته وهي تغادر مع باسم ووالدها وصديقاتها يودعنها ويعدنها بالمجيء للعاصمة.... لم يستطع اللحاق بالسيارة على قدميه فتوجه نحو صديقاتها اللاتي تسمرن حين رأينه.
وديع : مرحبا.
نظرت إليه صديقتها المقربة سلافة بشفقة لأنها الوحيده التي كانت تعلم بحقيقة أمر صديقتها ولاء.
وديع: مرحبا.
الفتيات باستحياء: مرحبا .
وديع: إلى أين ذهبت ولاء والأستاذ إبراهيم.
تقدمت سلافة قليلا وترددت في إخباره بالأمر: وديع أعلم بأمرك أن و ولاء وأعرف أن الأمر سيكون صعبا عليك.
وديع: لقد أقلقتني , هل أصاب الأستاذ إبراهيم مكروها؟
سلافة: لا أبدا , كل مافي الأمر أن باسم أرغم ولاء على إقامة زفافهما في العاصمة وهي وافقت كي تبعدك عن خطر انتقام باسم خوفا عليك و
تركها تتحدث وركض لمنزله وأخذ سيارة والده ليحاول اللحاق بها لا لينقذها فقط ولكن لينقذ عمره كله .... حاول اللحاق بسيارتها ولكنه لم يتمكن من ذلك وما إن وصل إلى العاصمة توجه إلى أقرب هاتف واتصل بوالدته وأخذ رقم هاتف سلافة ليعرف مكان إقامة ولاء في العاصمة فأقسمت له انها لا تعرف أين تقيم فسألها عن المكان الذي سيقام فيه الزفاف ورغم رفض سلافة إلا أنها رضخت لتوسلات وديع الذي بدا الانهيار عليه حين علم أنه لم يتبق لديه سوى 3 أيام على حفل زفاف حبيبته.
ذهب لمنزل عمته التي تعبت هي وزوجها في معرفة مالذي أصابه ولكن دون جدوى . لم يستطع الكلام مع أحد وشعر بالتيه الشديد هذا عدا الغضب الذي ملأ جنباته.ولم يكترث حتى عندما أخبرته عمته أن والده غاضب جدا من تصرفاته مؤخرا وأنه لم يعد يرغب به في البيت.
حان يوم زفاف حبيبته وعليه أن يذهب لمنعها من تدميرهما مهما كانت النتائج , ارتدى ثيابه وركب سيارته باكرا وظل يمشي في الشوارع وأخرج صورتها من جيبه ينظر إليها تارة ويتوسل تارة أخرى. ... تعطلت السيارة فجأة في مكان لم يجد فيه من يساعده على إصلاحها , حاول مرارا ولكن دون جدوى , الوقت يمر ويريد أن يصل إلى هناك قبلها وأخيرا وجد سيارة أجرة تُقل راكبا وطلب منه السائق أن يوصل الراكب أولا فوافق لأن لا حيلة له غير ذلك , وهم في طريق العودة طلب منه التوجه إلى مكان حفل الزفاف ولكن الأقدار لم تعطه الفرصة للقاء حبيبته واصطدمت سيارة الأجرة بشاحنة على الطريق وقُذف بعيدا قبل أن تحترق السيارة.



يتبع.......................

فاطمة الشهري
01-01-2009, 09:32 AM
برونزية هل تتعمدين تشويقنا اكثر

اسرعي في الحقلة الختامية

انا انتظر

فرح عبد الرحمن
01-01-2009, 08:44 PM
ما شاء الله عليك

انا مع الاخوة في الانتظار

برونزيه
01-02-2009, 01:55 AM
حين استفاق وديع نظر حوله ووجد نفسه في غرفة شبه مظلمة وشعر بألم شديد في رأسه , ظل يئن ألما كلما حاول تحريك أي جزء من جسده حتى فكّيه ونظر إلى جسمه فرأى الضمادات على يديه ورجله ... فُتح باب الغرفة ودخلت سيدة في الأربعين من العمر بثياب شبه بالية تدل على فقرها الشديد ولكن وجهها كان يدل على طيبة مريحة . نظرت إليه مبسمه وطلبت منه أن لا يتحرك.
السيدة: حمدا لله على سلامتك يا بني , اهدأ ولا تتحرك فما زالت كسورك لم تلتئم بعد.
وديع: من أنتِ يا سيدتي؟!!!
السيدة : اسمي زينب , ما اسمك يا بني؟!!
فكر مطولا وكأنه يحاول تذكر اسمه وبالفعل لم يتذكر واشتدت آلام رأسه أكثر من ذي قبل.
زينب: لا عليك يا بني , المهم أنك أفقت بسلامة الله , سأذهب لأحضر لك الحساء لأنك لم تكن تأكل بشكل جيد المدة الماضية.
دخلت ابنة زينب وفي يدها الحساء وكان أطفالها الصغار يتدافعون عند الباب ليروا المريض الغريب الذي استفاق أخيرا.
زينب: شكرا لك يا ابنتي... هذه ابنتي الكبرى ورد .
ورد: لقد سمعت صوته فحضرت له الحساء , حمدا لله على سلامتك.
نظر إليهم جميعا دون تركيز وتجمعت تساؤلات كثيره في ذهنه لم يلق لها إجابة.
وديع: أين أنا ؟!!!
زينب: كل الآن ولا تفكر في شيء يا بني .
جلست زينب بالقرب منه تطعمه وتنظر إليه مشفقة على حاله , تبتسم في وجهه ابتسامة حنان محاولة التخفيف عنه , وظل أطفالها الصغار عند باب الغرفة يتهامسون ويضحكون وينظرون لوالدتهم وهي تطعمه وتمسح فمه .
رمقت زينب وردا بنظرة فهمتها ورد وعلى الفور توجهت لإخوتها وأخذتهم لتبعدهم كي لا يزعجوه.
حضر السيد عبدالرحمن زوج السيدة زينب وأسعده خبر استفاقة ضيفه المريض فاغتسل وذهب ليطمئن عليه وابتسم بطيبة .
عبد الرحمن: أنت اليوم أفضل كثيرا من ذي قبل.
نظر إليه وديع وهو يحاول أن يجلس.
عبد الرحمن: لا تتحرك فلم تطب يداك و قدمك بعد.
وديع: ما الذي أتى بي إلى هنا؟
عبد الرحمن: ألا تتذكر شيئا عن الحادث يا بني؟
وديع: لا , لا أذكر شيئا يا سيدي.
عبد الرحمن : لا تقل سيدي , أنا عبد الرحمن وهذه
زينب: لقد عرفته بي وبأبنائنا يا عزيزي .
عبد الرحمن: هل أخذ الدواء؟
ورد: ليس بعد يا أبي , لقد انتهى لتوه من تناول الحساء.
وديع: أشكركم جميعا على اهتمامكم بي.
عبد الرحمن: هات الدواء يا بنيتي , سأعطيك الدواء بنفسي وأنا واثق أنها مجرد أيام وستتذكر كل شيء.
وديع : لا أريد أن أرهقكم بمتاعبي.
زينب : لا تقل ذلك يا بني أنت على الرحب والسعة.
وديع: هل كان معي أحد؟
عبد الرحمن : كنت ذاهبا إلى عملي ورأيت نارا قوية من بعيد فتوجهت إلى هناك وفي طريقي رأيتك ملقى على الأرض فبحثت حول المكان ولكنني لم أجد ناجين سواك , فعدت إليك مسرعا ووجدتك ملقى والدم يغطي وجهك و جسمك ولكن الغريب ..
وديع: أكمل يا سيدي أرجوك.
عبد الرحمن : كنت تضم في إحدى يديك صورة .
وديع: صورة ماذا؟
عبد الرحمن: لا أعرف ولكنها صورة فتاة كُتب خلفها كلاما ولكنني لا أعرف القراءه .
وديع: أين الصورة؟
عبد الرحمن : زينب أحضري الصورة من فضلك عزيزتي.
زينب: حالا يا عزيزي.
عبد الرحمن : لم نجد معك أيضا ما يدل على شخصيتك أو من تكون.
وديع: منذ متى وأنا هنا؟
عبد الرحمن: أنت هنا يا بني منذ عشرة أيام , ذهبت اليوم إلى مكان الحادث ولم أجد أحدا هناك...
زينب: كم أشفق على والدتك يا بني لا بد وأنها تتحرق خوفا عليك.
ورد : لا تقلقيه يا أمي سيتذكر كل شيء بإذن الله وسيذهب إليها وهو في كامل عافيته.
أعطته زينب الصورة التي بدت بالية قليلا بسبب تبللها بالدم , وتركوه ليرتاح ولكنه كما كان في الماضي الذي يجهله لم يعرف طعم الراحة وظل ينظر للصورة بتمعن يحاول أن يتذكر ولو ومضة تقوده لأي شيء , قرأ الجملة الغريبة المكتوبة خلف الصورة ( حبيبتي للأبد ) ويتأمل هذا الوجه الجميل كثيرا وهو يحدث نفسه ويتساءل.
وديع: هل تخصني حقا هذه الصورة ؟ ومن هذه ؟ ياترى ما الظروف التي جلبتني إلى هنا؟... من هم عائلتي؟ هل هذه واحده منهم أم ماذا؟!!!!!!
تعب كثيرا من التفكير ونام ولا زالت صورة حبيبته المنسية في يده.
تم زفاف ولاء في اليوم المحدد وسط فرحة جميع الحاضرين إلا هي التي كانت تجلس بجانب باسم وفكرها وقلبها مع وديع..ترتدي ثوب الزفاف وكأنه كفن , تنام بقربه على سرير من شوك يؤرق مضجعها , تقضي أيامها معه جسد بلا روح تائهة في الماضي فاقدة الحس بالحاضر . تأكل رغما عنها ,تجامل الناس رغما عنها , تتظاهر بالسعادة والاستقرار أمام والدها الذي يرى في عينيها حزنا لا تنفك تنفيه.
نزلت من غرفتها معتقدة أن باسم ليس بالمنزل فرأته يتناول إفطاره فهمت بالصعود .
باسم : انتظري يا ولاء.
وقفت ولاء وهي لا ترغب كالعادة منذ أول يوم لهما معا في التحدث إليه.
باسم : أين عمي؟
ولاء : أخبرني ليلة البارحة أنه سيذهب باكرا للمستشفى .
باسم: ألن تتناولي فطوركِ معي حبيبتي؟
ولاء : لا أشعر بالجوع.
باسم : منذ زفافنا و أنت لا تشعرين بالجوع.
ولاء: ماذا تريد ؟
باسم: ألن تنتهي المأساة التي تفرضينها على حياتنا.
ولاء: حصل ما أردت , ماذا تريد مني الآن؟
باسم : أريدك زوجة لي , منذ الليلة الأولى وأنت بعيدة عني .
نظرت إليه ولاء حاقدة : أرغمتني أن نقيم الزفاف و امتثلت لطلبك , أردتنا أن نقضي شهر العسل في العاصمة وها نحن ذا معا , لكنني لا أستطيع إرغام نفسي أن أكون زوجتك.
اقترب منها ليقبلها ولكنها أبعدته بيديها.
ولاء : قلت لك لا ترغمني على شيء مرة أخرى.
دخل ابراهيم إلى المنزل بهدوء لأنه اعتقد أنهما لا زالا نائمين ولكنه توقف حين سمع أسلوب الحديث بينهما.
باسم : أنتِ زوجتي وستظلين كذلك و سيأتي يوم تعتادين فيه على ذلك.
ولاء : أنت تعيش الآن مع جثة فقط بلا مشاعر ولن أحبك مهما فعلت .
باسم : هل لا زلتِ تفكرين بالطلاق؟
ولاء : الطلاق هو العلاج الوحيد لما أنا فيه , لا أعرف كيف سمحت لنفسك منذ البداية أن تساومني.
باسم : سأوافق على الطلاق في حالة واحده فقط.
ولاء: ماهي؟
باسم : إذا أعدتِ لي كليتي, لم أتخل عنها إلا مقابل أن تكوني زوجتي .
ولاء: كنت أتوقع أن يكون طلبك حقيرا مثلك.
أمسكها من رقبتها حتى بدت عيناها تجحظ : أعرف أنكِ لا زلت متعلقة بذاك التافه وديع ولن أدعكِ له وإن لم أتمكن منكِ العمر كله.
أسرع إبراهيم لينجد ابنته من يد باسم بعد أن سمع وفهم ما عانته ابنته من أجله وعرف أسباب التعاسة التي كان يلمحها فيها طوال الوقت.
دمعت عيناه وهو يشد ابنته إلى حضنه: اتركها يا جبان اتركها , لم أكن أعرف أنك بهذه الخسة ... ليتني عرفت قبل الآن لما وافقت أبدا أن أعيش بكليتك النجسة ولما تسببت لابنتي بهذا العذاب.
باسم : ما حصل قد حصل يا عمي , تحدث لابنتك واجعلها تفهم أن من واجبها طاعتي ويكفي أنها كانت زوجتي وكانت تقضي وقتها مع رجل آخر.
أثارت هذه الكلمات غضب ابراهيم: اخرس ولا تتجرأ بقول هذا الكلام عن ابنتي, لا تبكِ يا حبيبتي فلن أترككِ هنا لحظة أخرى وسنعود للبلدة الان.
أمسك باسم بيد ولاء وسحبها نحوه بقوة : هذه زوجتي ولا يستطيع أحد أن يأمرها عداي , اذهب أنت إن شئت .
ابراهيم : أتركها فلن تكون زوجتك أبدا , لن تعيش ابنتي إلا مع من يختاره قلبها.
باسم : نعم؟!! ماذا ماذا؟!! ابنتك لن تخرج من هنا ولن نعود للبلدة ولن ترى أحدا سواي إلى أن ترضخ.
لم يتحمل إبراهيم الموقف الذي تعرض له هو وابنته الوحيدة التي عاش طوال حياته لا يفكر إلا في إسعادها وسقط على الأرض مغشيا عليه, فهرعت إليه ولاء باكية يعتصرها الألم ولكنه لا يستجيب فحمله باسم إلى السيارة ورفضت أن يركب معها فنقلته إلى المستشفى , وهناك أخذه الأطباء ليسعفوه وظلت خارج الغرفة تدعوا الله أن لا يصيبه مكروه.
تأخر الأطباء في الداخل و زاد قلقها ودعاؤها إلى أن حضر باسم.
نظرت إليه باحتقار : لن أسامحك على ما فعلته بي و بوالدي.
باسم : لم أقصد أن أؤذيه .
ولاء : لا مكان لك هنا ارحل.
خرج الطبيب أخيرا : هل أنت ابنه؟
ولاء: لا , أنا ابنته , كيف حال والدي؟
الطبيب: أنا آسف لم ينجُ , ادعي له بالرحمة ... لقد حاولنا ما استطعنا.
انهارت ولاء وانهار العالم من حولها , فما عاد شيئا له قيمة الآن . كل شيء مات بالفعل الآن , لا أم رأتها منذ نعومة أظفارها ولا أب يرى أحفادها.
نقلت جثته بجانب والدتها في البلدة وعادت إلى هناك لتعيش وحدها في منزل والدها الذي عمه الصمت والحزن بعد انقضاء أيام الحداد ...
مرت أيامها تشبه بعضها لا حياة فيها حتى أن محاولات عائلة باسم بانتقالها للعيش معهم بالفشل . حتى أن عمها ( والد باسم ) جعل ابنه يطلقها وفرض عليه الإقامة في العاصمة وإكمال دراسته هناك بعد الفضيحة التي تسبب بها ابنه. ولم تكن تقبل زيارات أحد سوا صديقتها سلافة وكل من قطع علاقته بباسم بعد أن علم الجميع بحقيقة الأمر .
سلافة : ألن ينتهي هذا الحزن أبدا, لقد انقضت 6 أشهر ولا زلتِ على حالك.
ولاء: لم يعد هناك شيء أحيا من أجله.
سلافة : ستعودين السنة القادمة للدراسة , حققي حلم والدكِ يا ولاء.
ولاء: والدي؟
سلافة : نعم والدكِ, الذي حلم باليوم الذي تتخرجين فيه من الجامعة و تصبحي طبيبة ذات شأن.
ولاء : سأفكر بالأمر.
سلافة: احمدي الله على ما أنتِ فيه يا ولاء فأنت لم تري حال عائلة وديع...والدته لم تجف دموعها ووالده لم يترك مكانا إلا وبحث فيه ...حتى عمته وزوجها أعياهما الحزن لاعتقادهما أنه ربما قتل نفسه لأن سيارته وُجدت في العاصمة وكانت بحالة جيدة إلا من عطل بسيط ولكن لم يكن له أثر.
ولاء : حتى وديع, جنيت عليه وعلى عائلته ورحل . أنا السبب في كل هذا.
سلافة: لا تبكِ أرجوكِ, سيعود يوما ما .
ولاء: ليتكِ لم تخبريه بخبر الزفاف.
سلافة : حاولت ,أقسم لكِ بذلك ولكنه كان يتوسل باستماته ولم أتحمل.
ولاء : ترى أين يمكن أن يكون الآن؟ وهل علم بم حل بي؟
سلافة : لو علم بم أنت فيه لما ظل بعيدا كل هذا الوقت.

في هذه الأثناء كان وديع قد تماثل للشفاء واستطاع الوقوف على قدميه ولكنه لم يستطع تذكر شيء .أحبته عائلة عبدالرحمن وظل مقيما معهم سنوات و سنوات كإبن أكبر يعاون عبدالرحمن في عمله ويعلم أبناؤه القراءة والكتابة وقدم الكثير من العون إلى أن استطاع أن يتحول عمل عبد الرحمن إلى تجارة توسعت مع الأيام إلى مستوى لا بأس به وانتقلوا جميعا إلى منزل أجمل وأكبر ولا زالت صورة ولاء معلقة في غرفته يبتسم كلما نظر ويحدثها لربما أتى يوم وتذكر ماضيه المجهول رغم أنه أصبح مستسلما لحاضره متعايشا مع واقعه .... بينما ظلت ولاء معلقة بذاك الماضي الجميل داعية أن تلتقي يوما ولو صدفة بالحب الجميل وتخرجت من كلية الطب وقضت أوقاتها تساعد كل من يحتاج إلى مساعدة وخاصة غير القادرين ,تستأنس بزيارة صديقتها سلافة التي لم تتركها حتى بعد أن تزوجت وكونت عائله... ولم تنقطع زيارتها لعائلة وديع الذين رأوا في وجودها بجانبهم مواساة لغياب ابنهم وساعدتهم أيضا في البحث عنه في كل مكان وبذلت حنانها وعطفها لأبناء أخوات وديع وكلما أرادت أن ترتاح ذهبت لمكانهما القديم حيث كانا يلتقيان لتمكث هناك بين الذكريات ماضٍ كانا فيه معا وذكريات ماضٍ بلا ماضٍ لأيام لم يكن فيها بقربها ولكنه كان يعيشها في قلبها.

تمت..................

مروة بخاري
01-02-2009, 07:23 PM
في شد في السرد والطرح في اهتمام من الكاتبة في فكرة وفيه روح حية

أنتي مكسب حقيقي للمنتدى

برونزيه
01-03-2009, 01:55 AM
مرحبا مروة..........
أشكركِ عزيزتي على هذا الإطراء وعلى اهتمامك..


تقبلي تحياتي..

أوركيديا
01-03-2009, 03:24 AM
لم تكن النهاية كالنهايات المعتاده وهو ماجعل القصه في قمة روعتها

برونزيه

كنتي رااااااائعه ..


..

برونزيه
01-04-2009, 12:41 AM
عزيزتي أوركيديا :

الأروع من قصتي وجودك الدائم ...

أشكرك على دعمك وإطرائك...

تقبلي تحياتي

مسلم حر
01-04-2009, 12:55 AM
تقييم عام ( القصة جميلة ورائعة... كأني أقرأ للكاتبة الشهيرة
أجاثا كريستي ..)

التقييم المفصل
أولا : من حيث اللغة .. لغة راقية رصينة جميلة صيغت بعناية فائقة رغم وجود
بعض الهنات البسيطة

ثانيا : من حيث الواقعية ... هذه القصة لاتمت إلى عالمنا العربي الإسلامي بصلة
فهي لاتلامس واقعنا مطلقا ولذلك تجد الأسماء ( وديع ولاء زينب إبراهيم ورد ..إلخ
غير منسجمة مع مضمون القصة والتي كان يناسبها ( جاك .بيتر . جولين ...
جميل أن يعيش الكاتب واقعة وتكون كتابته من بيئته( إلا إذا كانت هذه بيئتك أختي .. برونزية)
لتكون له خصوصيته وشخصية وحياته ويكون على ضوء ذلك تأثيره فيمن حوله ومن يعيش في محيطه
وربما تعدى تأيره إلى خارج محيطه كما هو الحال في تأثير الكتاب الغربيين على كثير من المسلمين
العرب في كتاباتهم

ثالثا : من حيث الخيال .. حقيقة خيال واسع يجعلك تنبهر من القدرة الخيالية
عند الكاتبة

ثالثا : من حيث الحبكة ..القصة مترابطة إلى أبعد حد وهذا يجعلك عندما تقرأها
تشدك وتريد أن تعرف تفاصيلها حتى نهايتها والإنتقال بين أحداثها مرن وليس فيه أي
تكلف (إلا في الإنتقال من مرحلة الإعدادية إلى الجامعية فهي قفزة كبيرة جدا وفجوة
في القصة إذ إختزلتها الكاتبة في بضعت أسطر
كذلك القصة كتبت على أنها في عصر حديث ... يعني فيه مستشفيات وشرطة
ومرور واتصالات وغير ذلك من الوسائل التي تجعل إختفائه بهذه الصورة فيه نظر
فأقل مايفلعه الرجل الذي وجده أن يذهب به إلى المستشفى ومن ثم الشرطة ..وأيضا
ليس من المعقول أن لا يهتدي المسعفون إليه... وهذا الموضع من القصة لابد
من حبكة بعناية فائقة حتى لايتطرق إلى القارئ أدنى إحتمال شك فيه

رابعا : من حيث صياغة المعنى ..كانت صياغة ممتازة جدا وكان اسلوبا راقيا رائعا
يدل على المعنى المراد إلا في بعض العبارات مثل
(رحل وديع يسبق الشوارع والأشجار...) لاأدري كيف يسابق الشوارع والأشجار
أصلا هي ثابته لاتتحرك فكيف يسابقها ... لو قلنا يسابق الريح أو يسابق السيارات
أو يسابق القطار أو الخيل ..هذا معقول جدا
( ورائحة مياه النهر ...) الماء لارا ئحة له

خامسا : من حيث الدين .. هذه القصة من الناحية الدينية ظلمات بعضها فوق بعض
قد تعترضين أختي الكريمة علي بقولك ( إنها مجرد قصة وخيال ) أقول هذا
صحيح لكن لنفرض أن جميع الكتاب في الوطن المسلم على هذا الحال فتخيلي كيف ينشأ
الأجيال ؟ لاشك أنها ستتأثر بما يكتب وينشأ جيل منسلخ من قيمه ومبادئه

وأخير اشكرك على هذا الإبداع في الكتابة .. وإنما مثلي ومثلك كمن رأى لوحة جميلة
تبهر الناظر إليها إلا أنها مائلة قليلا فقام بتعديلها فازدادت جمالا وروعة

برونزيه
01-04-2009, 02:47 AM
أخي مسلم حر/ أشكرك على تلبية دعوتي وإنه لمن دواعي سروري أن تكون ممن ينتقدوني ليدعموني.


لقد كتبت هذه القصة حين كنت أبلغ من العمر 15 عاما وأردت تحريرها كما هي دون تعديل وكنت فعلا حينها أقرأ روايات كثيرة لأجاثا جريستي لأنني كنت لا أحبذ قراءة الروايات العاطفية ولكنني فضلت أن أكتب عنها.


وللعلم ( نشأت في بيئة محافظة ذات فكر متفتح ) :)


ربما بوجه عام أو من الخارج هي لاتمت للعالم الإسلامي بصلة ولكنها واقع في بعض المجتمعات الإسلاميه وتحدث فعلا مثل هذه العلاقات الغرامية سواء كانت علاقات محافظة أو غير ذلك وعلاقات صداقة أيضا.

أحيانا تتوفر الوسائل ولكن في لحظات الغفلة تضيع السبل.
قرأت لك مشاركاتك ولفتني أسلوبك واحترمت فكرك جدا...

أوافقك في كل انتقاداتك للقصة وأشكرك على دعمك الذي عنى لي الكثير واستفدت منه حقا...


تقبل احترامي وخالص تحياتي..........

فرح عبد الرحمن
01-04-2009, 03:21 PM
القصة جميلة جدا والسرد جميل واعجبني الاخ مسلم حر في انتقاده وتوجيهه رائع الي حد كبر

اشعر انني في منتدى راقي من الافضل للافضل

مسلم حر
01-04-2009, 10:14 PM
أختي الكريمة برونزية/ أشكر لك تقبلك للنقد وهذا يدل على كمال الوعي والفكر .. ولا أزعم أن نقدي صواب
بأكمله إنما هذا رأي رأيته في القصة وهو قابل للنقاش منك أختي الكريمة ومن في المنتدى ونحن جميعا
يكمل بعضنا البعض لنرقى بفكرنا ونسمو بثقافتنا ونكون لبنة في صرح شامخ عزيز ولنجعل الحوار الهادف
الهاديء البعيد عن التعصب للرأي هو شعارنا ودثارنا ... والحق ضالة المؤمن أينما وجده أخذ به وهذا المنهج
االذي يدعو إليه الدين والعقل معا ..... إن أحقر إنسان في (نظري ) من يرى الحق عيانا بيانا كا لشمس في
رابعة النهار ثم يحيد عنه وهذا هو الكبر فلما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عنه قال _ الكبر بطر الحق
وغمط الناس _ أي رد الحق مع وضوحه ( وغمط الناس ) يعني أحتقارهم ولذلك أيضا كان الرسول صلى الله
عليه وسلم يقول عن أبي جهل فرعون هذه الأمه وسماه أبا جهل لأنه كفر تكبرا مع علمه بأن الرسول صلى
الله عليه وسلم حق من عند الله يقول ابو جهل ( كنا نحن وبني هاشم كفرسي رهان حتى قالوا طلع منا نبي أنى
لنا ذلك ) ولذلك كانت عدواته للإسلام والمسلين ...فالكبر قد يجر على صاحبه الويلات والعياذ بالله

وعودا على بدأ ...... أحييي فيك هذا الفكر المتقد والنضج الكامل والأسلوب الأمثل في الحوار وإرادة الوصول
إلى الحق والبحث عن المشورة الراشدة فما خاب من استشار ........ ولك تحياتي .....ودمت بخير

أحمد
01-23-2009, 07:16 PM
العمل ممتع يعطيك الف عافية اعتذر للاطلاع المتاخر العمل بحق راقي جدا

برونزيه
01-23-2009, 08:03 PM
عزيزي أحمد / إنه لمن دواعي سروري اهتمامك بالقصة

تواجدك يسعدني وأشكرك على هذه الكلمات الداعمة

تحياتي:)