ترحال
07-29-2010, 04:29 AM
محمد بن عبد الله القويز
في كتابه الشهير «الانخداع بالعشوائية» Fooled By Randomness، يقدم عالمالفرضيات (نسيم نكولاس طالب) قصة لطالما ظلت عالقة في مؤخرة ذهني، وقد استفدت منهاكثيراً في قرارات حياتي (أو على الأقل منذ قراءتي للكتاب). لذا وددت مشاركتكمأعزائي القراء بالقصة وببعض الدروس التي استقيتها منها (مع بعض التحوير لتناسبالسوق المحلية).
السيد (مشعان) بدأ حياته في حفر الباطن من أسرة متوسطة الدخل. وقد كان نبيهاًمنذ صغره، وتخرج من الثانوية بالترتيب الأول على مدرسته، وبعدها توجه لدراسةالقانون في جامعة الملك سعود حيث برع فيها أيضاً فتخرج الأول على دفعته، مما جعلالعديد من مكاتب المحاماة تتسابق على توظيفه، فقبل وظيفة لدى أشهر هذه المكاتب حيثأخذ في البروز بسرعة فارتقى المراتب سريعاً حتى أصبح شريكاً في مكتب المحاماة. وبهذا أصبح يحصل على دخل يزيد على مليون ريال في السنة، كما أنه أصبح يستطيع تحقيقحلم حياته وهو شراء منزل في أرقى منطقة من حي (النخيل) في الرياض، ذلك الحلم الذيكان يراوده منذ أيام الجامعة عندما كان أحد زملاء مشعان في الجامعة (عبودي الطحطوح) الذي كان يسكن في الحي ذاته يعاير مشعان بأنه لن يتمكن أبداً من الانتقال إلى هذاالحي وأن «حدّه النسيم وإلا الروضة إذا كثّر». كما أنه قام بتسجيل أبنائه في أفضلوأرقى مدرسة في الرياض، آملاً في إعطائهم بعض ما فقده في طفولته من الحرص على العلموالثقافة. وبهذا أصبح مشعان لا يغبط ملكاً في ملكه، فقد حقق كل ما طمح إليه فيالحياة.
ولكن لأنه انتقل للعيش في أغلى منطقة في الرياض، وعلى الرغم من دخله الممتاز،فإنه لم يكن بإمكانه إلا شراء أصغر بيت في المنطقة. فبعد فترة قصيرة بدأت أم مشاري (زوجة مشعان) تلاحظ أن جاراتها في الحي يسافرن مرة كل شهر بينما هم لا يسافرون إلامرتين أو ثلاث في السنة، وذلك بحكم تكاليف السفر العالية وجدول مشعان الثقيل. كماأنها أخذت تلاحظ في الاجتماع الدوري لنساء الحي أنها أقلهن أناقة ومجوهرات، فزوجةعبودي الطحطوح (الذي ما زال يسكن في نفس المنطقة) تلبس خاتم ألماس سوليتير يغطيثلاثة من أصابعها، بينما خاتم أم مشاري بالكاد كلف 15 ألف ريال. وكذلك الحال فيمدرسة مشاري حيث أصبح مشعان يلاحظ في اجتماعات أولاياء الأمور أنه أقلهم جاهاًومالاً. فهذا والد (صلّوحي الكاش)، يوقف سيارته (المايباخ) بجانبه وبمعيته مساعدهالخاص ليدون الملاحظات من المدرسين نيابة عنه في كمبيوتر لابتوب.
وظل مشعان مشغولاً ويعمل دون توقف، ولكنه لم يصل بل ولم يقترب من مقدار الثراءالذي حققه أصحابه ورفاقه وجيرانه الجدد. كما أن الضغوط الدائمة عليهم لمجاراةومسايرة البيئة التي حولهم أصبحت تطبق على دخلهم بالكامل فلا يتمكنون من تحقيق أيمدخرات تذكر (باستثناء راتب أم مشاري كمدرّسة والذي ترفض أن تصرف منه على مصاريفالمنزل). فأخذوا يسألون أنفسهم «لماذا لم ننجح كغيرنا؟ لماذا نحن فاشلون إلى هذاالحدّ؟» هذا الوضع (الصعب) بدأ بالتسبب في تردي الوضع النفسي لمشعان وزوجته كما بدأفي تهديد حياتهما العائلية.
لا شك أنكم أعزائي القراء ترون الهزلية في هذه القصة. ولكنها تقع في أحيان كثيرةللعديد من الناس. فهي نموذج لأحد الأخطاء الدفينة في نظرة الإنسان إلى الواقع وهوما يعرف بـ «الانحياز الانتقائي» Survivorship Bias، فمشعان عندما قارن وضعه بغيرهلتحديد مدى نجاحه، استخدم عيّنة منتقاة لا تعكس الواقع ككل. فهو لم يقارن نفسهبأقربائه في حفر الباطن (حيث إنه حقق نجاحاً أكبر من أي منهم)، ولم يقارن نفسهبرفاقه في الجامعة (حيث حقق نجاحاً أكثر من 99 في المائة منهم)، ولم يقارن نجاحهبرفاقه الذين بدؤوا معه في مكتب المحاماة (حيث حقق نجاحاُ أكثر من 95 في المائةمنهم)، إنما قارن نفسه بالطبقة التي تعيش حوله وترسل أبناءها إلى مدرسة ابنه نفسها،وبالمقارنة مع هذه الطبقة هو بالفعل أقل شخص ثروة ومالاً، ولكن ذلك ليس لأنه فاشل،بل لأنه اختار أن يعيش ويقارن ضمن الطبقة التي تمثل أكثر طبقات المجتمع ثراءً، فهومن هذا المنطلق من ضمن الفئة التي تمثل أغنى 1 في المائة في المجتمع السعودي وإنكان في ذيل تلك القائمة. ولكن لأن غالبية احتكاكه وتعاملاته أصبحت مع هذه الفئةنفسها (سواء كانوا جيرانا، أو عملاء في مكتب المحاماة..إلخ) فإنه أصبح يستخدمهمكمعياره الوحيد للمقارنة.
وبالتالي فإننا ننصح مشعان بأن ينظر إلى من هم أقل منه (وهم كثيرون) ليحمد اللهعلى نعمه التي لا تحصى، ولكن أثر هذه النصيحة قد لا يمتد لأكثر من 15 دقيقة لتنتهيبمجرد أن يذهب مشعان لاجتماعه القادم مع أحد الطحاطيح. لذا فقد تكون النصيحة الأفضل (والأكثر دواماً) هي أن يبيع مشعان منزله في النخيل ويشتري منزلاً آخر في النسيم،فهو في هذه الحالة سيمتلك أكبر منزل في الحارة، كما سيتذكر كل يوم كم هو محظوظ لأنهأجبر نفسه على توسيع مجال المقارنة لتشمل أشخاصا أقل منه يراهم كل يوم.
******
من القصة الواردة بعاليه، استقيت الفوائد التالية لحياتي، والتي أرجو أن تكونذات فائدة لكم:
* من الأفضل دائماً أن تكون صاحب أفضل بيت في أسوأ حارة من أن تكون صاحب أسوأبيت في أفضل حارة. وهذا المثال لا ينطبق فقط على المنازل بل على كل شيء، فالأثرالنفسي أفضل على الإنسان على سبيل المثال إذا كان أبرز موظف في شركة متوسطة من إذاكان موظفاً متوسطاً في شركة متميزة.
* الطريقة الوحيدة لتحقيق السعادة من المقارنات هو الابتعاد عنها تماماً، بلالذهاب في الاتجاه المعاكس أحياناً. فالسفر بالدرجة السياحية (ولو كان بإمكانكالسفر بدرجة الأفق) يخرجك من دوامة المقارنات والمسابقات. حيث يمكن القول إن وطأةرؤية ركاب الدرجة الأولى أكبر على نفس المرء إذا كان يركب درجة الأفق منها عليه إذاكان قد اختار الدرجة السياحية (خصوصاً إذا قام بذلك من قبيل الخروج من السباقتماماً). كذلك الحال في السيارات، فمالك الهونداي قد يكون أسعد بسيارته من مالكالمرسيدس 350، لأن الأخير يرى ما ينقصه كلما يمر بجانب مرسيدس.500
مقال اعجبني واحببت نقله
في كتابه الشهير «الانخداع بالعشوائية» Fooled By Randomness، يقدم عالمالفرضيات (نسيم نكولاس طالب) قصة لطالما ظلت عالقة في مؤخرة ذهني، وقد استفدت منهاكثيراً في قرارات حياتي (أو على الأقل منذ قراءتي للكتاب). لذا وددت مشاركتكمأعزائي القراء بالقصة وببعض الدروس التي استقيتها منها (مع بعض التحوير لتناسبالسوق المحلية).
السيد (مشعان) بدأ حياته في حفر الباطن من أسرة متوسطة الدخل. وقد كان نبيهاًمنذ صغره، وتخرج من الثانوية بالترتيب الأول على مدرسته، وبعدها توجه لدراسةالقانون في جامعة الملك سعود حيث برع فيها أيضاً فتخرج الأول على دفعته، مما جعلالعديد من مكاتب المحاماة تتسابق على توظيفه، فقبل وظيفة لدى أشهر هذه المكاتب حيثأخذ في البروز بسرعة فارتقى المراتب سريعاً حتى أصبح شريكاً في مكتب المحاماة. وبهذا أصبح يحصل على دخل يزيد على مليون ريال في السنة، كما أنه أصبح يستطيع تحقيقحلم حياته وهو شراء منزل في أرقى منطقة من حي (النخيل) في الرياض، ذلك الحلم الذيكان يراوده منذ أيام الجامعة عندما كان أحد زملاء مشعان في الجامعة (عبودي الطحطوح) الذي كان يسكن في الحي ذاته يعاير مشعان بأنه لن يتمكن أبداً من الانتقال إلى هذاالحي وأن «حدّه النسيم وإلا الروضة إذا كثّر». كما أنه قام بتسجيل أبنائه في أفضلوأرقى مدرسة في الرياض، آملاً في إعطائهم بعض ما فقده في طفولته من الحرص على العلموالثقافة. وبهذا أصبح مشعان لا يغبط ملكاً في ملكه، فقد حقق كل ما طمح إليه فيالحياة.
ولكن لأنه انتقل للعيش في أغلى منطقة في الرياض، وعلى الرغم من دخله الممتاز،فإنه لم يكن بإمكانه إلا شراء أصغر بيت في المنطقة. فبعد فترة قصيرة بدأت أم مشاري (زوجة مشعان) تلاحظ أن جاراتها في الحي يسافرن مرة كل شهر بينما هم لا يسافرون إلامرتين أو ثلاث في السنة، وذلك بحكم تكاليف السفر العالية وجدول مشعان الثقيل. كماأنها أخذت تلاحظ في الاجتماع الدوري لنساء الحي أنها أقلهن أناقة ومجوهرات، فزوجةعبودي الطحطوح (الذي ما زال يسكن في نفس المنطقة) تلبس خاتم ألماس سوليتير يغطيثلاثة من أصابعها، بينما خاتم أم مشاري بالكاد كلف 15 ألف ريال. وكذلك الحال فيمدرسة مشاري حيث أصبح مشعان يلاحظ في اجتماعات أولاياء الأمور أنه أقلهم جاهاًومالاً. فهذا والد (صلّوحي الكاش)، يوقف سيارته (المايباخ) بجانبه وبمعيته مساعدهالخاص ليدون الملاحظات من المدرسين نيابة عنه في كمبيوتر لابتوب.
وظل مشعان مشغولاً ويعمل دون توقف، ولكنه لم يصل بل ولم يقترب من مقدار الثراءالذي حققه أصحابه ورفاقه وجيرانه الجدد. كما أن الضغوط الدائمة عليهم لمجاراةومسايرة البيئة التي حولهم أصبحت تطبق على دخلهم بالكامل فلا يتمكنون من تحقيق أيمدخرات تذكر (باستثناء راتب أم مشاري كمدرّسة والذي ترفض أن تصرف منه على مصاريفالمنزل). فأخذوا يسألون أنفسهم «لماذا لم ننجح كغيرنا؟ لماذا نحن فاشلون إلى هذاالحدّ؟» هذا الوضع (الصعب) بدأ بالتسبب في تردي الوضع النفسي لمشعان وزوجته كما بدأفي تهديد حياتهما العائلية.
لا شك أنكم أعزائي القراء ترون الهزلية في هذه القصة. ولكنها تقع في أحيان كثيرةللعديد من الناس. فهي نموذج لأحد الأخطاء الدفينة في نظرة الإنسان إلى الواقع وهوما يعرف بـ «الانحياز الانتقائي» Survivorship Bias، فمشعان عندما قارن وضعه بغيرهلتحديد مدى نجاحه، استخدم عيّنة منتقاة لا تعكس الواقع ككل. فهو لم يقارن نفسهبأقربائه في حفر الباطن (حيث إنه حقق نجاحاً أكبر من أي منهم)، ولم يقارن نفسهبرفاقه في الجامعة (حيث حقق نجاحاً أكثر من 99 في المائة منهم)، ولم يقارن نجاحهبرفاقه الذين بدؤوا معه في مكتب المحاماة (حيث حقق نجاحاُ أكثر من 95 في المائةمنهم)، إنما قارن نفسه بالطبقة التي تعيش حوله وترسل أبناءها إلى مدرسة ابنه نفسها،وبالمقارنة مع هذه الطبقة هو بالفعل أقل شخص ثروة ومالاً، ولكن ذلك ليس لأنه فاشل،بل لأنه اختار أن يعيش ويقارن ضمن الطبقة التي تمثل أكثر طبقات المجتمع ثراءً، فهومن هذا المنطلق من ضمن الفئة التي تمثل أغنى 1 في المائة في المجتمع السعودي وإنكان في ذيل تلك القائمة. ولكن لأن غالبية احتكاكه وتعاملاته أصبحت مع هذه الفئةنفسها (سواء كانوا جيرانا، أو عملاء في مكتب المحاماة..إلخ) فإنه أصبح يستخدمهمكمعياره الوحيد للمقارنة.
وبالتالي فإننا ننصح مشعان بأن ينظر إلى من هم أقل منه (وهم كثيرون) ليحمد اللهعلى نعمه التي لا تحصى، ولكن أثر هذه النصيحة قد لا يمتد لأكثر من 15 دقيقة لتنتهيبمجرد أن يذهب مشعان لاجتماعه القادم مع أحد الطحاطيح. لذا فقد تكون النصيحة الأفضل (والأكثر دواماً) هي أن يبيع مشعان منزله في النخيل ويشتري منزلاً آخر في النسيم،فهو في هذه الحالة سيمتلك أكبر منزل في الحارة، كما سيتذكر كل يوم كم هو محظوظ لأنهأجبر نفسه على توسيع مجال المقارنة لتشمل أشخاصا أقل منه يراهم كل يوم.
******
من القصة الواردة بعاليه، استقيت الفوائد التالية لحياتي، والتي أرجو أن تكونذات فائدة لكم:
* من الأفضل دائماً أن تكون صاحب أفضل بيت في أسوأ حارة من أن تكون صاحب أسوأبيت في أفضل حارة. وهذا المثال لا ينطبق فقط على المنازل بل على كل شيء، فالأثرالنفسي أفضل على الإنسان على سبيل المثال إذا كان أبرز موظف في شركة متوسطة من إذاكان موظفاً متوسطاً في شركة متميزة.
* الطريقة الوحيدة لتحقيق السعادة من المقارنات هو الابتعاد عنها تماماً، بلالذهاب في الاتجاه المعاكس أحياناً. فالسفر بالدرجة السياحية (ولو كان بإمكانكالسفر بدرجة الأفق) يخرجك من دوامة المقارنات والمسابقات. حيث يمكن القول إن وطأةرؤية ركاب الدرجة الأولى أكبر على نفس المرء إذا كان يركب درجة الأفق منها عليه إذاكان قد اختار الدرجة السياحية (خصوصاً إذا قام بذلك من قبيل الخروج من السباقتماماً). كذلك الحال في السيارات، فمالك الهونداي قد يكون أسعد بسيارته من مالكالمرسيدس 350، لأن الأخير يرى ما ينقصه كلما يمر بجانب مرسيدس.500
مقال اعجبني واحببت نقله