المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أجمل مرثية في تاريخ الأدب العربي ..


المخلص
12-01-2010, 06:42 AM
سمعتُ هذه القصيدة للمرة الأولى سماعاً عابراً لم استسغ على إثره مبالغة عضد الدولة في تمنيه أنها فيه وأنه المصلوب . وبعد مدة كنت انتظر في سيارتي وأنا أستمع للأديب الكبير عبدالله بن خميس أحد إصداراته الجميلة "من القائل" وتوافق أن ذكر هذه القصيدة وبدأ في سرد أبياتها.

شعرت حينها بألم الشاعر وتلمستُ أبيات قصيدته ، فعلمت مالذي دفع عضد الدولة لقول ما قال. وكان عضد الدولة قد استمال ابن بقيه ضد عز الدولة فرفض . ولما قتل عز الدولة وتولى عضد الدولة انتقم من الوزير ابن بقية بطرحه تحت أقدام الفيلة ، ثم صلبه عند داره بباب الطارق.


ولقد هِمتُ بها حتى لكأني أرى جثة الوزير ابن بقية مصلوبةً ، وحوله الحرس، والنيران تضيء المكان والناس حوله ينظرون إليه ، وقد تقدم أبو الحسن بخطىء حائرة من هول المنظر .

ثم جاشت العبرات وفاض الألم فاسترسل في مرثيته دون أن يشعر بمن حوله. فصور الصلب علواً ، وصور السماء قبراً ، وصور الرياح كفناً .

طاف مطلع القصيدة بالآفاق وصار مثلاً متردداً في كل حادثة يفقد فيها عظيم.
علوّ في الحياة وفي الممات *** لحقٌ أنت إحدى المعجزات

ثم صور علاقة الوزير بالناس وإلتفافهم حوله في حياته ومماته ، وكأن يداه المصوبتان تحتفي بهم.
كأنّ الناس حولك حين قاموا *** وفُوَد نَداك أيام الصّلات
كأنك قائم فيهم خطيبا *** وكلّهمُ قيامٌ للصلاة
مددت يديك نحوهم احتفاءً *** كمدهما إليهم بالهبات

لم يجدوا قبراً مناسباً في الأرض فجعلوا قبره في السماء ، ولم يجدوا كفناً يليق به غير الرياح.
ولما ضاق بطن الأرض عن أن *** يضم علاك من بعد الوفاة
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا *** عن الأكفان ثوب السافيات


لعظمك في النفوس تبيت ترعى *** بحراسٍ وحفاظ ثقات
وتوقد حولك النيران ليلا *** كذلك كنت أيام الحياة
ركبت مطيةً من قَبْلُ زيدٌ *** علاها في السنين الماضيات
وتلك قضية فيها أناسٌ *** تباعد عنك تعيير العداة
ولم أر قبل جذعك قط جذعا *** تمكن من عناق المكرمات


انظر كيف صور مساعدته للناس ودفعه المصائب عنهم وكأن ذلك جعل منه عدوا للمصائب فانتقمت منه.
أسأت إلى النّوائب فاستثارت *** فأنت قتيل ثأر النائبات
وصير دهرك الإحسان فيه *** إلينا من عظيم السيئات
وكنت لمعشر سعدا فلما *** مضيت تفرقوا بالمنحسات

هنا يبدأ طوفان الألم ..
غليل باطن لك في فؤادي *** يخفف بالدموع الجاريات
ولو أني قدرت على قيام *** بفرضك و الحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي *** وبحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبر عنك نفسي *** مخافة أن أعد من الجناة
ومالك تربة فأقول تسقى *** لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترى *** برحمات غواد رائحات

ومع يقيني أنني لن أخدم القصيدة بهذا المقال ، لكنني وددت أن أقرأها مرة أخرى.

أنثى المحال
12-01-2010, 03:32 PM
جميل جداَ

تلك القصيدة أعجبتني سبق ومررت بها وأعجبني تصوير الشاعر أبو الحسن محمد الأنباري واستخداماته الذكية في التشبيه لتلك الأبيات التي لا أستغرب تمني عضد الدولة أن يكون هو المصلوب مع أنه الصالب ..!
كان أبا طاهر بن بقيه محبوبا لدى الشعب حيث كان ينفق على المساكين ويتولى الإشراف على حلقات تحفيظ القرآن فتعلق به الشعب وأحبه أكثر من الخليفة الذي بدأ يغار منه فكرهه وأراد إبعاده عن مسرح الأحداث فافترى عليه بتهمة كاذبة .
رائع هو تصوير الشاعر في مطلع القصيدة بأن يذكر أبن بقية ويقول أنه من كرامته صار قبره في الجو لأنه مصلوب
أيضا جميل هذا التصوير في الأبيات :
كأنك قائم فيهم خطيبًا ******* وكلهم قيام للصلاة
يشبه الشاعر الوزير في قوله "كأنك بالخطيب القائم " أي أنك يا أبا طاهر أثناء صلبك كنت كالخطيب القائم بين الناس تخطب فيهم لأن الخطيب عادًة يكون واقف على منبر .
وأيضا شبه الوزير وذلك بحرف العطف بأنه قائم فيهم إمامًا ، والناس كلهم قيام للصلاة لأن الإمام هو الذي يؤم الناس في الصلاة ، فذكر المشبه ( كاف الخطاب ) والمشبه به (قائم فيهم خطيبًا وكلهم قيام للصلاة ) والأداة ( كأن )
مدت يديك نحوهم احتفاء ****** كمدهما إليهم بالهبات
يشبه الشاعر اليدين الممدودة ( يدين الوزير ) حالة الصلب بالذي يمد يديه للناس بالعطايا لأن الوزير كان يمد يديه للناس ويكثر لهم الهبات حال حياته . فكأنه أثناء صلبه يداه ممدودتان في حفاوة وإكرام للناس .
أرجو أن أكون أضفت ما يغذي الروح هنا َ
شكراً بلا حد لهذا الطرح الممتع والقيم .

الأميره مشاعل بنت سعود
12-27-2010, 02:26 AM
ليس بمستغرب عليك دائما تنثر كل ماهو جميل وأنيق ..
شكرا لك

منال بنت مشاري
12-29-2010, 02:43 AM
ولما ضاق بطن الأرض عن أن *** يضم علاك من بعد الوفاة
أصاروا الجو قبرك واستعاضوا *** عن الأكفان ثوب السافيات



ماأروع تصويره بهذه الابيات ..
جميل هذا الانتقاء منك .
تقديري