تحطيم السكوت
01-24-2009, 07:59 PM
قف فالزمن مليء بالعجاب، ومليء بالمفاهيم الخاطئة، قد لا تكون خاطئة بذاتها ولكنها بنظرة المجتمع في محل العجب، ويزداد العجب عند رؤية كثير من الناس في كثير من الأحيان، قد يخالفون أصول منهجهم، بل قد تكون بعض تلك الأصول مستغربة، ومحل عيب، إذا أبرزت بصورة جلية، حتى يتراءى للمزاول غرابته في ذلك الوطن، وبين أبناء جلدته، فيحجم عن التطبيق بحجة المجتمع، وعدم تقبله، وهنا يبرز الشجاع، فليس الشجاع بالصرعة، وإنما الشجاع الذي يحي المبادئ المندثرة، ويخرج على عرف أمات روح المجتمع، فيجدد بذلك كثير من الأنفس، التي قد أبيدت تحت مجهر المجتمع.
كنت في إحدى الرحلات إلى المملكة الهاشمية الأردنية، فينما نحن نتفقد مكتبات عمان، دخلت أنا وصديقي مكتبة حاسوبية، تضم مجموعة من الكتب التي تحوي شروحا لبعض الأنظمة البرمجية، وبما أن أغلب تلك الكتب بلغة لا يحسنها كاتب السطور، فإني أثرت الجلوس على كرسي، موضوع في تلك المكتبة، كنوع من الاسترخاء بعد المشي الطويل، وأنا في تلك الأثناء، وفي انتظار فراغ رفيقي من اختيار كتابه المناسب، إذا برجل يبدو أنه في بداية الأربعينات من عمره، بهندام محترم، ومنظر حسن، يدخل على صاحب المكتبة، ويبدو أن بينهما معرفة مسبقة، وأخذوا يتبادلون الحديث، شد انتباهي هذا الرجل عند عزمه على الخروج، قال لصاحب المكتبة-كلمات كانت بالنسبة لي مدوية، وسببت عند إثارة الفكرة في نفسي نوعا من الدهشة، وقنعت بثقافة ذلك الشعب، الذي كنت قد حُدثت عنه-:" إن بنتي قد نجحت- ونسيت المرحلة-، إلا أني متأكد أنها في بدايات تلك المراحل-، وقد أخذت عهداً على نفسي، أن أتي لها بهدية، وإني أريد منك، تحديثي ببعض الكتب المناسبة، لكي تتمكن من قراءتها، واستيعابها، فإني أعزم أن أكون لها مكتبة"... مثلت لي تلك الوقفة، صعقة في حياتي، لا لأنا أمة قد نسيت القراءة، واعتمدت على التلقي بفعل تلك المناهج الدراسية، ولن أحمل المناهج كل العبء، لأنه قد تكون في مرحلة من المراحل نحتاج إلى التلقي، كنوع من ترسيخ الثوابت، ولكن من يلقي عليك هذا العلم، هو من يحتاج إلى مراجعات، خاصة في مرحلة النضوج، إذ بعض رواد الجامعات من أساتذة، قد يجبرك على رأيه، وتدوينه، وكأنه الحق الذي لا يتزعزع، وما إن تتأمل في بعض المسائل، حتى ترى أن رأيه قد تسرب إليه الضعف من كل مكان، فما ذنبي أن ألزم برأي سقيم، في مرحلة أملك فيها آليات النظر السديد، لتكون المخرجات ظاهرة أمامنا، ونرتوي من فشلها، وسيزيد حقنك على تلك المرحلة، إذا علمت أن المعلم الذي أمامك يسطر ويكتب، في نبذ التقليد، لتعلم أنا اعتدنا على رفع شعارات، لا أخذ قرارات.
لن أتكلم عن هذا، وإن كنت أسهبت فيه نوعا ما، ولكن الحديث في تربية كتاب، التي أصبحت في مجتمعنا شبه مفقوده، بل إن مرحلة حمل الكتاب، ليشكل دورا مهما في حياتك، لا تكون موجودة، إلا في مرحلة متأخرة من سن المراهقة ، مثل المرحلة الجامعية.
اعتدنا في التربية أسلوب التلقين، أمر الابن وعليه التطبيق، لكن لم نعود الابن في يوم ما أن يصنع القرار، ويبحث عن التوجيه من صغره ونعومة أظفاره، ليطبقه بكل راحة بال، واطمئنان في الجنان، لذلك أصبحت ظاهرة التمرد من الابن في كبره، مألوفة لدينا، فهو لن يلوم الكتب الدراسية، أو معلميه في الغالب، إن كان تعرض لنوع من الاضطهاد الفكري في تلك المرحلة، بل سيلقي باللوم كله على من حمله على تلك التربية، ومن لقنه مبادئ تلك التربية.
وسيعظم الأسف، ويزداد الأسى، عند تعرض الوالد، أو الوالدة، لسؤال عن سلوك سيء في الابن وهو في مرحلة البلوغ؟ لتجد الجواب، يعلق بتغير الحياة، وقلة الوقت، هذا إذا كان صادقا مع نفسه، وإلا فبدهيات الإجابة عن هذا السؤال، إلقاء اللوم على الابن، لأنه لم يرعى حق النعمة، لوفرة القوت واللباس، وجعله أسوة بقرنائه، فلا ينقصه شيء.
وهذا الجواب العقيم، هو الذي أدى إلى تدهور التربية، وعدم القدرة على التحكم في سيرها، مما أدى إلى خسارة الابن في نهاية المطاف.
إن الكتاب يحمل معاني عظيمة، وأساليب جميلة، وتوجيهات رشيدة، قد غفل عنه الكبير، مما جعله ينسى بأن يوجه الصغير، التوجيه السديد.
إنني في بداية العشرينات من عمري، وعودت نفسي، على اصطحاب كتابي في كل مكان، دائرة حكومية، أو أي جهة أخرى، أظن أن التعطيل ديدنها، وإن كنت في بعض الأحيان يغلبني النسيان، ومن ثم أجر أذيال الأسف عند الانتظار، حتى في طلعاتنا العائلية، وليس المقصود هو التحدث عن ذاتي، ولكن النظرات التي تحملق بي وأنا أفعل ذلك الفعل، أرى نفسي غريبا في أعين الناس، وكأني فعلت أمراً خطأ، فلا أدري أهي نظرة توبيخ؟ أم استحسان؟ لا أدري كل ما أحسنه هو الغرابة التي تنطلق من تلك الأعين، فيزداد العجب عند تذكر"اقرأ".
وكثيرا من الأحيان ما يكون السؤال الموجه لي، وخاصة في الطلعات الأهلية، أنت تصحب الكتاب ولا تقرأ فيه في بعض الأحيان؟؟ فيكون جوابي ، إني في مرحلة أتعود فيها أن يكون كتابي هو صديقي، وليس بالضرورة في صحبتي صديقي أن أكثر من حديثه، ومسامرته، بل قد تكون صحبة تأمل، فيكسبني الأنس وهو بجوراي،لأتسلى بثقافة كتابي، ومع كل هذا ما زلت أشعر أني في مرحلة تقصير ، ليس كنوع من اليأس، وإنما الطبيعة البشرية، فأنا إلى الآن لم أجلد لذة الكتاب، التي أسمعها في الأخبار، فالأمر بالمجاهدة سيسهل بإذن الله.
فهب أني تعودت القراءة من سني الأولى، أليس كان مردوده علي في هذه المرحلة مردودا إجابياً، ولقطعت شوطاً كبيرا في التعلم وكسب المعرفة، ليكون سلوكا ظاهرا.
إن تعود المرء، وإشعار النفس، بأن كسب المعارف يكفي فيها المراحل الدراسية، عادة سقيمة، وشعور سيء، لابد من دثره، وتغطيته، بل وإزالته من عين المتربي، فلابد أن نجهل منهم أناس يصحبون العلم في كل مكان فمراحل الدراسة، ماهي إلا مفاتيح لمعارف واسعة، وعلوم غزيرة، وإن لم تستغل تلك المفاتيح، فإن مآلها إلى الفقد، ومن ثم إضاعة الباب، ويعرف الشغوف في زمن الإجازات.
(تربية الكتاب، ستحمل عنك العناء أيها المربي).
محبكم.
كنت في إحدى الرحلات إلى المملكة الهاشمية الأردنية، فينما نحن نتفقد مكتبات عمان، دخلت أنا وصديقي مكتبة حاسوبية، تضم مجموعة من الكتب التي تحوي شروحا لبعض الأنظمة البرمجية، وبما أن أغلب تلك الكتب بلغة لا يحسنها كاتب السطور، فإني أثرت الجلوس على كرسي، موضوع في تلك المكتبة، كنوع من الاسترخاء بعد المشي الطويل، وأنا في تلك الأثناء، وفي انتظار فراغ رفيقي من اختيار كتابه المناسب، إذا برجل يبدو أنه في بداية الأربعينات من عمره، بهندام محترم، ومنظر حسن، يدخل على صاحب المكتبة، ويبدو أن بينهما معرفة مسبقة، وأخذوا يتبادلون الحديث، شد انتباهي هذا الرجل عند عزمه على الخروج، قال لصاحب المكتبة-كلمات كانت بالنسبة لي مدوية، وسببت عند إثارة الفكرة في نفسي نوعا من الدهشة، وقنعت بثقافة ذلك الشعب، الذي كنت قد حُدثت عنه-:" إن بنتي قد نجحت- ونسيت المرحلة-، إلا أني متأكد أنها في بدايات تلك المراحل-، وقد أخذت عهداً على نفسي، أن أتي لها بهدية، وإني أريد منك، تحديثي ببعض الكتب المناسبة، لكي تتمكن من قراءتها، واستيعابها، فإني أعزم أن أكون لها مكتبة"... مثلت لي تلك الوقفة، صعقة في حياتي، لا لأنا أمة قد نسيت القراءة، واعتمدت على التلقي بفعل تلك المناهج الدراسية، ولن أحمل المناهج كل العبء، لأنه قد تكون في مرحلة من المراحل نحتاج إلى التلقي، كنوع من ترسيخ الثوابت، ولكن من يلقي عليك هذا العلم، هو من يحتاج إلى مراجعات، خاصة في مرحلة النضوج، إذ بعض رواد الجامعات من أساتذة، قد يجبرك على رأيه، وتدوينه، وكأنه الحق الذي لا يتزعزع، وما إن تتأمل في بعض المسائل، حتى ترى أن رأيه قد تسرب إليه الضعف من كل مكان، فما ذنبي أن ألزم برأي سقيم، في مرحلة أملك فيها آليات النظر السديد، لتكون المخرجات ظاهرة أمامنا، ونرتوي من فشلها، وسيزيد حقنك على تلك المرحلة، إذا علمت أن المعلم الذي أمامك يسطر ويكتب، في نبذ التقليد، لتعلم أنا اعتدنا على رفع شعارات، لا أخذ قرارات.
لن أتكلم عن هذا، وإن كنت أسهبت فيه نوعا ما، ولكن الحديث في تربية كتاب، التي أصبحت في مجتمعنا شبه مفقوده، بل إن مرحلة حمل الكتاب، ليشكل دورا مهما في حياتك، لا تكون موجودة، إلا في مرحلة متأخرة من سن المراهقة ، مثل المرحلة الجامعية.
اعتدنا في التربية أسلوب التلقين، أمر الابن وعليه التطبيق، لكن لم نعود الابن في يوم ما أن يصنع القرار، ويبحث عن التوجيه من صغره ونعومة أظفاره، ليطبقه بكل راحة بال، واطمئنان في الجنان، لذلك أصبحت ظاهرة التمرد من الابن في كبره، مألوفة لدينا، فهو لن يلوم الكتب الدراسية، أو معلميه في الغالب، إن كان تعرض لنوع من الاضطهاد الفكري في تلك المرحلة، بل سيلقي باللوم كله على من حمله على تلك التربية، ومن لقنه مبادئ تلك التربية.
وسيعظم الأسف، ويزداد الأسى، عند تعرض الوالد، أو الوالدة، لسؤال عن سلوك سيء في الابن وهو في مرحلة البلوغ؟ لتجد الجواب، يعلق بتغير الحياة، وقلة الوقت، هذا إذا كان صادقا مع نفسه، وإلا فبدهيات الإجابة عن هذا السؤال، إلقاء اللوم على الابن، لأنه لم يرعى حق النعمة، لوفرة القوت واللباس، وجعله أسوة بقرنائه، فلا ينقصه شيء.
وهذا الجواب العقيم، هو الذي أدى إلى تدهور التربية، وعدم القدرة على التحكم في سيرها، مما أدى إلى خسارة الابن في نهاية المطاف.
إن الكتاب يحمل معاني عظيمة، وأساليب جميلة، وتوجيهات رشيدة، قد غفل عنه الكبير، مما جعله ينسى بأن يوجه الصغير، التوجيه السديد.
إنني في بداية العشرينات من عمري، وعودت نفسي، على اصطحاب كتابي في كل مكان، دائرة حكومية، أو أي جهة أخرى، أظن أن التعطيل ديدنها، وإن كنت في بعض الأحيان يغلبني النسيان، ومن ثم أجر أذيال الأسف عند الانتظار، حتى في طلعاتنا العائلية، وليس المقصود هو التحدث عن ذاتي، ولكن النظرات التي تحملق بي وأنا أفعل ذلك الفعل، أرى نفسي غريبا في أعين الناس، وكأني فعلت أمراً خطأ، فلا أدري أهي نظرة توبيخ؟ أم استحسان؟ لا أدري كل ما أحسنه هو الغرابة التي تنطلق من تلك الأعين، فيزداد العجب عند تذكر"اقرأ".
وكثيرا من الأحيان ما يكون السؤال الموجه لي، وخاصة في الطلعات الأهلية، أنت تصحب الكتاب ولا تقرأ فيه في بعض الأحيان؟؟ فيكون جوابي ، إني في مرحلة أتعود فيها أن يكون كتابي هو صديقي، وليس بالضرورة في صحبتي صديقي أن أكثر من حديثه، ومسامرته، بل قد تكون صحبة تأمل، فيكسبني الأنس وهو بجوراي،لأتسلى بثقافة كتابي، ومع كل هذا ما زلت أشعر أني في مرحلة تقصير ، ليس كنوع من اليأس، وإنما الطبيعة البشرية، فأنا إلى الآن لم أجلد لذة الكتاب، التي أسمعها في الأخبار، فالأمر بالمجاهدة سيسهل بإذن الله.
فهب أني تعودت القراءة من سني الأولى، أليس كان مردوده علي في هذه المرحلة مردودا إجابياً، ولقطعت شوطاً كبيرا في التعلم وكسب المعرفة، ليكون سلوكا ظاهرا.
إن تعود المرء، وإشعار النفس، بأن كسب المعارف يكفي فيها المراحل الدراسية، عادة سقيمة، وشعور سيء، لابد من دثره، وتغطيته، بل وإزالته من عين المتربي، فلابد أن نجهل منهم أناس يصحبون العلم في كل مكان فمراحل الدراسة، ماهي إلا مفاتيح لمعارف واسعة، وعلوم غزيرة، وإن لم تستغل تلك المفاتيح، فإن مآلها إلى الفقد، ومن ثم إضاعة الباب، ويعرف الشغوف في زمن الإجازات.
(تربية الكتاب، ستحمل عنك العناء أيها المربي).
محبكم.