مدار خالد
11-10-2008, 03:44 AM
طريق ألا عودة
بعد أن ناكفت اللبرالية عن أفكارها كثيرا وبذلت الكثير من الوقت والجهد وهي تراقب أنصارها وهم يحملون اللواء وفي كل مره يسقط من يد احدهم وفي كل معركة يخرجون بخسائر كاملة أو نسبية والخسائر متوالية ولا تقدم ولا مؤشرات تدل على أن اللبرالية ستتقدم أو تحقق نصرا أو أن تحافظ على ما بين يديها على اقل التقديرات فقد خذلها صغار مناصريها كمل فعل عواجيزها من قبل وبعد تفكير عميق ودراسة مضنية وتمتمات مع النفس وخلجاتها وتأملات طويلة جدا قررت اللبرالية أن تنزل إلى الشارع بنفسها لترى وتتلمس الأمور عن كثب وقرب ظهرت فكرة اللبرالية على هيئة إنسان متخفي يتنقل بين المجالس وبين الصالونات والمحاضرات وبين أعمدة الصحف ومسلسلات التلفزيون ونشرات الأخبار وحوانيت الليل ومقاهي النهار ورأت بعد فترة من الاستطلاع أن لا حل لها وان ما باليد حيلة و أن كثير من التابعين لها لم يفهموها وحتى أن من يدعى فهما لم يقدمها كما يجب وإنما أضاف إليها الأكاذيب و أشياء ليست في حقيقتها وكأنها هي من لا يعرف من هي فتاهت واصطدمت بالواقع اصطدام عرى أمامها خيبة الأمل وتجلت تعاستها ويأسها فشعرت بكثير من الثقل على أكتافها وان وزنها قد أصبح أطنانا تعجز عن حملة ساقيها وراحت تشعر بدوار هائل ملا رأسها وعينيها فاقتربت بالكاد تحمل خطاها من إحدى الأشجار وأسندت ظهرها عليها وسقطت تحتها وقد فقدت الوعي تماما
وبعد قرابة الساعة استيقظت من غفلتها وبالكاد فتحت عينيها وإذا بها ترى وقد كتب على الشجرة التي تستظل هي بظلها
((من هنا مر كار ماركس يجر أذيال ماركسيته))
فزت اللبرالية من غفلتها وأسرعت الخطي وراحت تحثها وتحثها أكثر فأكثر وهي تسير في ذات الاتجاه الذي أشارت إليه الشجرة تريد أن تلحق بماركس علها تجد عنده جوابا ما الذي أخرجه وما الذي قهره ما سبب خسارته وأي هزيمة تلك التي لحقت به وبعد ثلاث ليالي من السير الحثيث المتواصل ليلا ونهارا وصلت اللبرالية إلى طرق متشعبة متشابهه لا تكاد تختلف عن بعضها البعض وهنا غشيتها الحيرة امتلكتها التساؤلات أين هو الطريق الصحيح أين الصواب أين الخطاء لا دلالات لا علامات كل شي من نفس ألون من نفس المعنى وفي أثناء هذه اللحظات الصعبة على اللبرالية ظهر شيخا كبيرا متوكئا على عصاه انحنى ظهره واكتسى أعلاه الشيب وتدلى مع شاربة ولحيته الكثيفة الطويلة ظهر هذا الشيخ فجأة وكأنه كان هنا ولم تره لم تشاهده فالحيرة التي امتلكت اللبرالية كانت أعظم من أن ترى شيخا عجوزا على قارعة الطريق
فسألته اللبرالية عن الطريق الصحيح وأي الطرق تسلك وأي الحلول هو الأسلم للوصول إلى غايتها إلى ضالتها كارل ماركس
فقال لها الشيخ :- لم تتأخري كثيرا لم تعمري كثيرا لقد كان سابقوك أكثر جلدا وأبقى أثرا في الناس انه قدر الأفكار فالجميع يمر من هنا بعد أن ييأس من الوصول إلى عقول الناس إلى قلوبهم
اللبرالية:- ماذا تقول أنت أيها العجوز الخرف
يتبسم الشيخ ابتسامة الحزن ثم يرد على اللبرالية
الشيخ :- لا عجب أن يتحدث أنصارك مع الآخرين بطريقه غير مؤدبه فهذا في تركيبتك وأسسك التي أسست عليها وهانت الآن هنا ولا عجب بأنك لم تمكثي كثيرا هناك
اللبرالية:- أني لا افهم شيئا لم تتحدث بالألغاز أنا سألتك عن الطريق الصحيح الذي سار منه ماركس إنني أريد كارل ماركس أين أجده أي الطرق قد عبر
الشيخ :-أن الطريق الذي سرتي فيه هو طريق من سبقك وأنتي الآن تسيرين فيه وقد وصلتي إلى حيث هو مقرر لك وكل هذه الطرق رغم اختلاف اتجاهاتها إلا أنها شيء واحد وتأخذك إلى مكان واحد ولا مفر لك من الذهاب إلية ولا سبيل لك للعودة يا صغيرتي أما ماركس فقد كان هنا وهوا أسوءا حالا منك وقد قال انه قد جاء بحثا عن ضالته التي كانت موسليني زعيم الفاشية الأبرز وكان الآخر سال عن غيرة من أصحاب الأفكار وها أنتي هنا يا صغيرتي وقد حان وقت الانضمام إليهم
اللبرالية:- أنا لم اخرج فانا باقية إلى الأبد ولن اخرج إنما جئت أسال فقط من اجل السؤال أنا هنا هل فهمت
الشيخ :- الكل جاء من اجل السؤال ولكن لا احد استطاع العودة وأنتي لن تختلفي عن سابقيك انتهى الأمر
حاولت اللبرالية أن تشرح أمرا ما للشيخ لشعورها بأنه لم يفهمها فقاطعها الشيخ قائلا
الشيخ :- أنتي أتيت للبحث عن كار ماركس وماركس جاء قبلك باحثا وليس مغادرا ولكنه بقي أو اجبر على البقاء هنا وجا من كل فكر حامله يبحث عن سابقيه من أصحاب النظريات الفكرية وهم وكثيرون جدا وما أنت إلا احدهم
اللبرالية:- لن أبقى هنا لن أتوه مثلما تاهوا لن أبقى في هذا المكان معزولة عن العالم وعن الحياة
وراحت اللبرالية تجري في نفس الطريق الذي جاءت منه وراحت خطواتها تزداد وسرعتها تتزايد هربا من هذا الذي حدث لها وكانت ترتطم في الأشجار وتركل الأحجار عامدة علها تكون غائصة في كابوس ما علها تستفيق ولكن لا فائدة فكل شي من إطار واحد وواقع واحد انه الواقع الذي تحاول رفضه جاهده وبعد ساعات من السير قطعت فيها مسافات طويلة جدا وجدت نفسها أمام نفس الشيخ وفي نفس المكان وفي نفس الوقت ما هذه الأشياء والأحداث التي تمر بخاطر المسكينة وعندما وقعت عيناها على عيني الشيخ تبسم وهو يقول لها
الشيخ:- هل اقتنعت الآن بما قلت لك سابقا وبما أخبرتك
ينظر الشيخ إلى السماء وكأنه يتفقد السحاب أو كأنه يبحث عن طائر غاص في أعماقها ثم انزوى إلى أطراف الطريق وجلس على إحدى الصخور هناك
ثم قال لها
الشيخ :- انتهى الأمر وحسمت المسالة لا عودة يا صغيرتي لا عودة
نظرت اللبرالية إلية نظرة تكاد تكون أشبة بنظرة الخوف والوجل واليأس نظرة اختلطت فيها المشاعر وعادت عدت خطوات للخلف وأدارت ظهرها وأرادت الهرب مما هي فيه أرادت المحاولة من جديد وهي تحلم بان تعود إلى المجتمع وقبل أن تكمل خطواتها الأولى ناداها الشيخ قائلا
الشيخ :-أن من كان قبلك من سابقيك قد أضاعوا كثيرا من الوقت محاولين العودة ولكن دون جدوى وحتى أن بذلتي أكثر مما بذلوا من الجهد والوقت وكررتي محاولاتك عشرات المرات واصررتي واجتهدتي فانك لن تستطيعي العودة أن طريق ألا عودة هو مصير محتوم لك وكان لابد أن تصلي إلى هنا لا مفر من ذلك ولابد لك من التيقن بان هنا رحالك قد وضعت هنا أقدارك قد كتبت أن مصيرك هو مصير الأفكار التي تأتي خاملة جامدة جاحدة لأبجديات الحياة في معانيها وقوائمها ألقائمه على معني الإنسان كعابد للرب والشيطان كمغري للإنسان باقتراف المعاصي أن تنصيب العقل مكان الروحانيات التي مكانها القلب و البحث عن أجوبة لما هو اكبر من عقل الإنسان ومثل ذلك أن جعل أنصارك القلب مثله مثل المعدة والبنكرياس وانه لا يمكن أن يقرر أو يسوغ وما هذا إلا من ضرب الجهل وهذا ما يماثل أنصارك بأنصار أي فكر آخر وأي معنى يحمله الجهلة إلا الجهل فلذلك ليس لأنصارك أبواب يطرقونها إلا أبواب التجهيل والتضليل والإقصاء والرفض والكذب والأقاويل وأمثلة لا يستسيغها حتى الأطفال الرضع ومن لا يستطيع استقطاب السواد الأعظم من جماهير الشعوب عن طريق حمل همومهم ومناصرة قضاياهم والحفاظ على كرامتهم وقداسة أديانهم ورفع هممهم عاليا فإنهم لا يستحقون العيش بينهم ولا تبني آرائهم ونظرياتهم ولن يجدوا من عامة الناس مدافع أو مساند أو حتى حلفاء في خفاء الليل يدعون لهم بالنصر وهم بذلك لا يبقون طويلا إنما لحظات من عمر الزمن خطوات معدودة في مشوار الحياة اعلمي يا صغيرتي أن من حمل أفكارك عنك ونافح عنك وعن أفكارك كان مثلا للاستفزاز فكان أنصارك مثل الجن الذين يسترقون السمع ويقدمونه للكاهن بعد إضافة مئات الأكاذيب وعشرات الخزعبلات وها أنتي تمرين من هنا كما مر سابقيك تحملين لعنات الأمم وسخط الأجيال
يصمت الشيخ برهة ويرتفع نشيج اللبرالية وبكائها ووقف الشيخ على قدميه واتكاء على عصاه ثم توجهه بجسده ونظرة ناحية اللبرالية وقال لها وهي يتقدم في اتجاهها
الشيخ:- مر من هنا كثيرون وكان آخرهم ضالتك كارل ماركس وقد كان مر قبله سقراط والمجدين من طلابه والمجنون نيتشه وأدولف هتلر وكثير ممن تزعموا الأفكار والنظريات إنهم مروا في يوم من أيام الزمن مروا من هنا مرور الساقطين الخاسرين وليس مرور المنتشين الكرام المنتصرين
اقترب الشيخ من اللبرالية ووضع يده على جبينها وهو يقول
الشيخ:- دعيني يا صغيرتي أقدم لك أخطائك دعيني أطهرك من آفاتك من ضلالاتك دعيني أحميك من دموع اليأس التي قتلت الكثيرين قبلك
جثت اللبرالية على ركبتيها ووهي لا تكاد تصدق ما حدث لا تستطيع استيعاب ما جرى جثت وهي تتمتم
اللبرالية:- بهذه البساطة ينتهي كل شيء بهذه السرعة وبهذه القسوة
تألم الشيخ من حال اللبرالية وراح يحدثها وهو يساعدها على أن تقف مرة أخرى على قدميها
الشيخ:- أن من سبقوك قد دخلوا مجتمعات مفككه لا معنى للتلاحم مجتمعات تعاني الاضطهاد تعاني الأمرين من ضغوط سياسية وضغوط اجتماعية بالإضافة إلى الفقر المدقع الذي عصف بتلك الأمم في تلك الفترات وبين التخبط الديني والسياسي والفقر تهتري معاني الوطنية في المواطنين وتصبح صفرا في مقياس الأثر فوجد أصحاب الأفكار قلوب يائسة وأبدانا خاملة غارقة تنتظر قشة لها تكون النجاة ولم يكن نجاح تلك الأفكار بسبب القوة والمعاني ولكن بسبب ضعف المجتمعات التي دخلتها فكانت الطريق سالكه فدخلوا وتواجدوا في ضل التفرق والضعف الموجود ولم تكن نجاحاتهم سهله ولكنها كانت أصعب بالنسبة إليك إن مشكلتك الكبرى يا صغيرتي انك دخلت إلى مجتمع لدية عقيدة قوية وأغلبيتهم يسيرون على هذه العقيدة مؤمنين بها ونجاح أي عقيدة فكرية يجب أن تقوم على أنقاض عقيدة سابقه كانت هذه العقيدة فكرية أم دينية وان كانت قائمه فلابد من إسقاطها
لقد سبقك هتلر حين منحك الدرس ولكنك لم تستوعبي لقد كان هتلر يقول إن إسقاط عقيدة دينية هو أصعب من إسقاط وطن قائم بكامل مقوماته الحيوية والذين يحاولون فعل ذلك إما أنهم حمقى أو مخبولين قالها قرابة المائة عام ولكنكم لم تستوعبوا الدرس
والأسوأ من ذلك أن من حمل عقيدتك ونافحوا عنها لم يعيروا احتراما وتقديرا لمشاعر الآخرين وراحوا يجهلون رموزها ويتطاولون على خصوصياتها وراحوا يكذبون ويقذفون وهم الأقل وهم الأضعف أن إستراتيجية مبنية على الكذب والنفاق ماذا ينتظر أن تكون نتائجها سوى هزيمة مذلة وشحك بها مناصروك
أن المشاكل التي وقع بها مناصروك عصيبة وأخطائها فادحة علاوة على مشاكلهم الأخلاقية التي كان من الصعب عليهم التخلص منها
والخطاء الأكبر إنهم قسموا الناس إلى صفين فقط صف يقف معهم والصف الآخر يضم كل من يخالفهم وكل من ليس له علاقة بهم لقد رفعوا عاليا شعار أن لم تكن معي فأنت بالتأكيد ضدي
فعاشوا كما عاش اليهود على أخطاء الأمم وتصيد الفرص وجمع الأصوات عن طريق البكاء والادعاء على الناس بأنهم قد ظلموهم إن أنصارك عاشوا كما يعيش مرتزقة الكوارث ومصائب الأمم لقد تعمدوا الضغط على الجروح لزيادة النزف وفي ومع هذا الألم الذي يزرعونه في جسد الأمة يدعون أن لديهم الحل وهنا يبدؤون في نشر الأكاذيب والترويج لمعتقداتهم الفاسدة
يا صغيرتي أن أبنائك لا يعلمون حقيقتك أو حقيقة أنفسهم إن التعريف الذي استطيع أن القيه عليك بعد كل هذه السنين انك مالا يعرفه احد ولا يفهمه احد
وبعد أن فرغ الشيخ من كلامه بكت اللبرالية كثيرا وأجهشت في البكاء حتى حن عليها الطير والشجر ورف قلب الشيخ لها وقال
الشيخ :- لا اعلم لما قدري أن احمل أخطائكم أنتي ومن قبلك ومن سيأتي بعدك
سند الشيخ اللبرالية وساعدها على استعادة قوتها حتى تستطيع أن تقف على قدميها وهوا يقول لها
الشيخ :-هيا يا صغيرتي هناك مكان شاغل عليك الذهاب إليه وستبقي هناك إلى الأبد بقرب رفاقك
قالت اللبرالية:- من أنت أيها الشيخ وكيف تعرف عني كل ذلك وهذه الخبايا وكيف حللت أخطائي
فرد الشيخ مبتسما :- أنا الفكر
اللبرالية :- نعم هذا يفسر كل شيء هكذا تتضح لي الأمور أكثر
ثم قالت اللبرالية وهي تكفكف دموعها وتلملم أشلائها وبقايا من قصاصات مكائدها التي انتثرت وتعرت أمام من يعرفها جيدا
اللبرالية :- الآن أيها الشيخ إلى أين يتوجب على الذهاب بعد هذه النهاية التعيسة
الشيخ :- إلى هناك في أسفل هذا الوادي هناك ستجدين الكثير من الأفكار ومن حامليها هناك مكان معد خصيصا لمن انتهجوا نهجك وسلموا ألويتهم لمثل من سلمت لهم لوائك
يشير الشيخ بيده إلى أسفل الوادي وهو يقول
الشيخ :- هناك إلى مزبلة التاريخ يا صغيرتي إلى مزبلة التاريخ
تمت
احترامي
بعد أن ناكفت اللبرالية عن أفكارها كثيرا وبذلت الكثير من الوقت والجهد وهي تراقب أنصارها وهم يحملون اللواء وفي كل مره يسقط من يد احدهم وفي كل معركة يخرجون بخسائر كاملة أو نسبية والخسائر متوالية ولا تقدم ولا مؤشرات تدل على أن اللبرالية ستتقدم أو تحقق نصرا أو أن تحافظ على ما بين يديها على اقل التقديرات فقد خذلها صغار مناصريها كمل فعل عواجيزها من قبل وبعد تفكير عميق ودراسة مضنية وتمتمات مع النفس وخلجاتها وتأملات طويلة جدا قررت اللبرالية أن تنزل إلى الشارع بنفسها لترى وتتلمس الأمور عن كثب وقرب ظهرت فكرة اللبرالية على هيئة إنسان متخفي يتنقل بين المجالس وبين الصالونات والمحاضرات وبين أعمدة الصحف ومسلسلات التلفزيون ونشرات الأخبار وحوانيت الليل ومقاهي النهار ورأت بعد فترة من الاستطلاع أن لا حل لها وان ما باليد حيلة و أن كثير من التابعين لها لم يفهموها وحتى أن من يدعى فهما لم يقدمها كما يجب وإنما أضاف إليها الأكاذيب و أشياء ليست في حقيقتها وكأنها هي من لا يعرف من هي فتاهت واصطدمت بالواقع اصطدام عرى أمامها خيبة الأمل وتجلت تعاستها ويأسها فشعرت بكثير من الثقل على أكتافها وان وزنها قد أصبح أطنانا تعجز عن حملة ساقيها وراحت تشعر بدوار هائل ملا رأسها وعينيها فاقتربت بالكاد تحمل خطاها من إحدى الأشجار وأسندت ظهرها عليها وسقطت تحتها وقد فقدت الوعي تماما
وبعد قرابة الساعة استيقظت من غفلتها وبالكاد فتحت عينيها وإذا بها ترى وقد كتب على الشجرة التي تستظل هي بظلها
((من هنا مر كار ماركس يجر أذيال ماركسيته))
فزت اللبرالية من غفلتها وأسرعت الخطي وراحت تحثها وتحثها أكثر فأكثر وهي تسير في ذات الاتجاه الذي أشارت إليه الشجرة تريد أن تلحق بماركس علها تجد عنده جوابا ما الذي أخرجه وما الذي قهره ما سبب خسارته وأي هزيمة تلك التي لحقت به وبعد ثلاث ليالي من السير الحثيث المتواصل ليلا ونهارا وصلت اللبرالية إلى طرق متشعبة متشابهه لا تكاد تختلف عن بعضها البعض وهنا غشيتها الحيرة امتلكتها التساؤلات أين هو الطريق الصحيح أين الصواب أين الخطاء لا دلالات لا علامات كل شي من نفس ألون من نفس المعنى وفي أثناء هذه اللحظات الصعبة على اللبرالية ظهر شيخا كبيرا متوكئا على عصاه انحنى ظهره واكتسى أعلاه الشيب وتدلى مع شاربة ولحيته الكثيفة الطويلة ظهر هذا الشيخ فجأة وكأنه كان هنا ولم تره لم تشاهده فالحيرة التي امتلكت اللبرالية كانت أعظم من أن ترى شيخا عجوزا على قارعة الطريق
فسألته اللبرالية عن الطريق الصحيح وأي الطرق تسلك وأي الحلول هو الأسلم للوصول إلى غايتها إلى ضالتها كارل ماركس
فقال لها الشيخ :- لم تتأخري كثيرا لم تعمري كثيرا لقد كان سابقوك أكثر جلدا وأبقى أثرا في الناس انه قدر الأفكار فالجميع يمر من هنا بعد أن ييأس من الوصول إلى عقول الناس إلى قلوبهم
اللبرالية:- ماذا تقول أنت أيها العجوز الخرف
يتبسم الشيخ ابتسامة الحزن ثم يرد على اللبرالية
الشيخ :- لا عجب أن يتحدث أنصارك مع الآخرين بطريقه غير مؤدبه فهذا في تركيبتك وأسسك التي أسست عليها وهانت الآن هنا ولا عجب بأنك لم تمكثي كثيرا هناك
اللبرالية:- أني لا افهم شيئا لم تتحدث بالألغاز أنا سألتك عن الطريق الصحيح الذي سار منه ماركس إنني أريد كارل ماركس أين أجده أي الطرق قد عبر
الشيخ :-أن الطريق الذي سرتي فيه هو طريق من سبقك وأنتي الآن تسيرين فيه وقد وصلتي إلى حيث هو مقرر لك وكل هذه الطرق رغم اختلاف اتجاهاتها إلا أنها شيء واحد وتأخذك إلى مكان واحد ولا مفر لك من الذهاب إلية ولا سبيل لك للعودة يا صغيرتي أما ماركس فقد كان هنا وهوا أسوءا حالا منك وقد قال انه قد جاء بحثا عن ضالته التي كانت موسليني زعيم الفاشية الأبرز وكان الآخر سال عن غيرة من أصحاب الأفكار وها أنتي هنا يا صغيرتي وقد حان وقت الانضمام إليهم
اللبرالية:- أنا لم اخرج فانا باقية إلى الأبد ولن اخرج إنما جئت أسال فقط من اجل السؤال أنا هنا هل فهمت
الشيخ :- الكل جاء من اجل السؤال ولكن لا احد استطاع العودة وأنتي لن تختلفي عن سابقيك انتهى الأمر
حاولت اللبرالية أن تشرح أمرا ما للشيخ لشعورها بأنه لم يفهمها فقاطعها الشيخ قائلا
الشيخ :- أنتي أتيت للبحث عن كار ماركس وماركس جاء قبلك باحثا وليس مغادرا ولكنه بقي أو اجبر على البقاء هنا وجا من كل فكر حامله يبحث عن سابقيه من أصحاب النظريات الفكرية وهم وكثيرون جدا وما أنت إلا احدهم
اللبرالية:- لن أبقى هنا لن أتوه مثلما تاهوا لن أبقى في هذا المكان معزولة عن العالم وعن الحياة
وراحت اللبرالية تجري في نفس الطريق الذي جاءت منه وراحت خطواتها تزداد وسرعتها تتزايد هربا من هذا الذي حدث لها وكانت ترتطم في الأشجار وتركل الأحجار عامدة علها تكون غائصة في كابوس ما علها تستفيق ولكن لا فائدة فكل شي من إطار واحد وواقع واحد انه الواقع الذي تحاول رفضه جاهده وبعد ساعات من السير قطعت فيها مسافات طويلة جدا وجدت نفسها أمام نفس الشيخ وفي نفس المكان وفي نفس الوقت ما هذه الأشياء والأحداث التي تمر بخاطر المسكينة وعندما وقعت عيناها على عيني الشيخ تبسم وهو يقول لها
الشيخ:- هل اقتنعت الآن بما قلت لك سابقا وبما أخبرتك
ينظر الشيخ إلى السماء وكأنه يتفقد السحاب أو كأنه يبحث عن طائر غاص في أعماقها ثم انزوى إلى أطراف الطريق وجلس على إحدى الصخور هناك
ثم قال لها
الشيخ :- انتهى الأمر وحسمت المسالة لا عودة يا صغيرتي لا عودة
نظرت اللبرالية إلية نظرة تكاد تكون أشبة بنظرة الخوف والوجل واليأس نظرة اختلطت فيها المشاعر وعادت عدت خطوات للخلف وأدارت ظهرها وأرادت الهرب مما هي فيه أرادت المحاولة من جديد وهي تحلم بان تعود إلى المجتمع وقبل أن تكمل خطواتها الأولى ناداها الشيخ قائلا
الشيخ :-أن من كان قبلك من سابقيك قد أضاعوا كثيرا من الوقت محاولين العودة ولكن دون جدوى وحتى أن بذلتي أكثر مما بذلوا من الجهد والوقت وكررتي محاولاتك عشرات المرات واصررتي واجتهدتي فانك لن تستطيعي العودة أن طريق ألا عودة هو مصير محتوم لك وكان لابد أن تصلي إلى هنا لا مفر من ذلك ولابد لك من التيقن بان هنا رحالك قد وضعت هنا أقدارك قد كتبت أن مصيرك هو مصير الأفكار التي تأتي خاملة جامدة جاحدة لأبجديات الحياة في معانيها وقوائمها ألقائمه على معني الإنسان كعابد للرب والشيطان كمغري للإنسان باقتراف المعاصي أن تنصيب العقل مكان الروحانيات التي مكانها القلب و البحث عن أجوبة لما هو اكبر من عقل الإنسان ومثل ذلك أن جعل أنصارك القلب مثله مثل المعدة والبنكرياس وانه لا يمكن أن يقرر أو يسوغ وما هذا إلا من ضرب الجهل وهذا ما يماثل أنصارك بأنصار أي فكر آخر وأي معنى يحمله الجهلة إلا الجهل فلذلك ليس لأنصارك أبواب يطرقونها إلا أبواب التجهيل والتضليل والإقصاء والرفض والكذب والأقاويل وأمثلة لا يستسيغها حتى الأطفال الرضع ومن لا يستطيع استقطاب السواد الأعظم من جماهير الشعوب عن طريق حمل همومهم ومناصرة قضاياهم والحفاظ على كرامتهم وقداسة أديانهم ورفع هممهم عاليا فإنهم لا يستحقون العيش بينهم ولا تبني آرائهم ونظرياتهم ولن يجدوا من عامة الناس مدافع أو مساند أو حتى حلفاء في خفاء الليل يدعون لهم بالنصر وهم بذلك لا يبقون طويلا إنما لحظات من عمر الزمن خطوات معدودة في مشوار الحياة اعلمي يا صغيرتي أن من حمل أفكارك عنك ونافح عنك وعن أفكارك كان مثلا للاستفزاز فكان أنصارك مثل الجن الذين يسترقون السمع ويقدمونه للكاهن بعد إضافة مئات الأكاذيب وعشرات الخزعبلات وها أنتي تمرين من هنا كما مر سابقيك تحملين لعنات الأمم وسخط الأجيال
يصمت الشيخ برهة ويرتفع نشيج اللبرالية وبكائها ووقف الشيخ على قدميه واتكاء على عصاه ثم توجهه بجسده ونظرة ناحية اللبرالية وقال لها وهي يتقدم في اتجاهها
الشيخ:- مر من هنا كثيرون وكان آخرهم ضالتك كارل ماركس وقد كان مر قبله سقراط والمجدين من طلابه والمجنون نيتشه وأدولف هتلر وكثير ممن تزعموا الأفكار والنظريات إنهم مروا في يوم من أيام الزمن مروا من هنا مرور الساقطين الخاسرين وليس مرور المنتشين الكرام المنتصرين
اقترب الشيخ من اللبرالية ووضع يده على جبينها وهو يقول
الشيخ:- دعيني يا صغيرتي أقدم لك أخطائك دعيني أطهرك من آفاتك من ضلالاتك دعيني أحميك من دموع اليأس التي قتلت الكثيرين قبلك
جثت اللبرالية على ركبتيها ووهي لا تكاد تصدق ما حدث لا تستطيع استيعاب ما جرى جثت وهي تتمتم
اللبرالية:- بهذه البساطة ينتهي كل شيء بهذه السرعة وبهذه القسوة
تألم الشيخ من حال اللبرالية وراح يحدثها وهو يساعدها على أن تقف مرة أخرى على قدميها
الشيخ:- أن من سبقوك قد دخلوا مجتمعات مفككه لا معنى للتلاحم مجتمعات تعاني الاضطهاد تعاني الأمرين من ضغوط سياسية وضغوط اجتماعية بالإضافة إلى الفقر المدقع الذي عصف بتلك الأمم في تلك الفترات وبين التخبط الديني والسياسي والفقر تهتري معاني الوطنية في المواطنين وتصبح صفرا في مقياس الأثر فوجد أصحاب الأفكار قلوب يائسة وأبدانا خاملة غارقة تنتظر قشة لها تكون النجاة ولم يكن نجاح تلك الأفكار بسبب القوة والمعاني ولكن بسبب ضعف المجتمعات التي دخلتها فكانت الطريق سالكه فدخلوا وتواجدوا في ضل التفرق والضعف الموجود ولم تكن نجاحاتهم سهله ولكنها كانت أصعب بالنسبة إليك إن مشكلتك الكبرى يا صغيرتي انك دخلت إلى مجتمع لدية عقيدة قوية وأغلبيتهم يسيرون على هذه العقيدة مؤمنين بها ونجاح أي عقيدة فكرية يجب أن تقوم على أنقاض عقيدة سابقه كانت هذه العقيدة فكرية أم دينية وان كانت قائمه فلابد من إسقاطها
لقد سبقك هتلر حين منحك الدرس ولكنك لم تستوعبي لقد كان هتلر يقول إن إسقاط عقيدة دينية هو أصعب من إسقاط وطن قائم بكامل مقوماته الحيوية والذين يحاولون فعل ذلك إما أنهم حمقى أو مخبولين قالها قرابة المائة عام ولكنكم لم تستوعبوا الدرس
والأسوأ من ذلك أن من حمل عقيدتك ونافحوا عنها لم يعيروا احتراما وتقديرا لمشاعر الآخرين وراحوا يجهلون رموزها ويتطاولون على خصوصياتها وراحوا يكذبون ويقذفون وهم الأقل وهم الأضعف أن إستراتيجية مبنية على الكذب والنفاق ماذا ينتظر أن تكون نتائجها سوى هزيمة مذلة وشحك بها مناصروك
أن المشاكل التي وقع بها مناصروك عصيبة وأخطائها فادحة علاوة على مشاكلهم الأخلاقية التي كان من الصعب عليهم التخلص منها
والخطاء الأكبر إنهم قسموا الناس إلى صفين فقط صف يقف معهم والصف الآخر يضم كل من يخالفهم وكل من ليس له علاقة بهم لقد رفعوا عاليا شعار أن لم تكن معي فأنت بالتأكيد ضدي
فعاشوا كما عاش اليهود على أخطاء الأمم وتصيد الفرص وجمع الأصوات عن طريق البكاء والادعاء على الناس بأنهم قد ظلموهم إن أنصارك عاشوا كما يعيش مرتزقة الكوارث ومصائب الأمم لقد تعمدوا الضغط على الجروح لزيادة النزف وفي ومع هذا الألم الذي يزرعونه في جسد الأمة يدعون أن لديهم الحل وهنا يبدؤون في نشر الأكاذيب والترويج لمعتقداتهم الفاسدة
يا صغيرتي أن أبنائك لا يعلمون حقيقتك أو حقيقة أنفسهم إن التعريف الذي استطيع أن القيه عليك بعد كل هذه السنين انك مالا يعرفه احد ولا يفهمه احد
وبعد أن فرغ الشيخ من كلامه بكت اللبرالية كثيرا وأجهشت في البكاء حتى حن عليها الطير والشجر ورف قلب الشيخ لها وقال
الشيخ :- لا اعلم لما قدري أن احمل أخطائكم أنتي ومن قبلك ومن سيأتي بعدك
سند الشيخ اللبرالية وساعدها على استعادة قوتها حتى تستطيع أن تقف على قدميها وهوا يقول لها
الشيخ :-هيا يا صغيرتي هناك مكان شاغل عليك الذهاب إليه وستبقي هناك إلى الأبد بقرب رفاقك
قالت اللبرالية:- من أنت أيها الشيخ وكيف تعرف عني كل ذلك وهذه الخبايا وكيف حللت أخطائي
فرد الشيخ مبتسما :- أنا الفكر
اللبرالية :- نعم هذا يفسر كل شيء هكذا تتضح لي الأمور أكثر
ثم قالت اللبرالية وهي تكفكف دموعها وتلملم أشلائها وبقايا من قصاصات مكائدها التي انتثرت وتعرت أمام من يعرفها جيدا
اللبرالية :- الآن أيها الشيخ إلى أين يتوجب على الذهاب بعد هذه النهاية التعيسة
الشيخ :- إلى هناك في أسفل هذا الوادي هناك ستجدين الكثير من الأفكار ومن حامليها هناك مكان معد خصيصا لمن انتهجوا نهجك وسلموا ألويتهم لمثل من سلمت لهم لوائك
يشير الشيخ بيده إلى أسفل الوادي وهو يقول
الشيخ :- هناك إلى مزبلة التاريخ يا صغيرتي إلى مزبلة التاريخ
تمت
احترامي