المخلص
05-12-2009, 04:37 PM
أصاحِ ألا هل من سبيل إلى نجد .. وريح الخزامى غضة من ثرى جعد
وهل لليالينا بذي الرمث مرجع .. فتشفى جوى الأحزان من لاعج الوجد
عندما كنت في المرحلة الإبتدائية كان من ضمن المقررات التي يتطلب منا حفظها قصيدة جميلة لشاعر عرفت فيما بعد أنه من قادة الخوارج الأزارقة ولم يكن ذلك الشاعر سوى ( قطري بن الفجاءة ) وقال قصيدته تلك يحث نفسة فيها على الصبر والتجلد في مواجهة الموت فقال في مطلعها :
أقول لها وقد طارت شعاعاً * من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو طلبت بقاء يومٍ * على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبراً * فما نيل الخلود بمستطاعي
ثم مرت بي الأيام حتى التقيت بقصيدة أخرى جميلة كانت أيضاً لشاعر من شعراء الخوارج - أرجو أن لا يعطي ذلك إنطباعاً سيئاً- وكان الشاعر هذة المرة هو الطرماح بن حكيم ..
هو الحكم بن حكيم بن الحكم بن نقر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضا . كنيته أبو نقر وأبا ضبيبه أيضاً .
والطرماح لقب عرف به الشاعر حتى غلب على اسمه الأصلي فاشتهر به منذ القديم والطرماح تعني الطويل المرتفع، وتعني كذلك الرافع رأسة زهواً وربما لقب بذلك لكونه كان يرفع رأسة زهواً ومن هذا المعنى الأخير أخذ لقب الطرماح .
وقد سئل حفيدة لم سمي جدك الطرماح ؟ وما الطرماح في كلام العرب ؟
فقال : أما في كلامنا معشر طيى فإنه الحية الطويل .
زوجته ذكرها في قصيدة له وسماها سَلمَ و سلمة وسماها الزمخشري سليمة . وسلم ترخيم سلمة ، وربما سلمى فقد كان كثير الحديث عن سلمى في غزله . ويبدو أنه كان يحبها كثيراً فقال :
كأن فؤداي بين أظفار طـــــائر .. إذا سنحت ذكراك من كل مسنح
وذكراك مالم تسعف الدار بيننا ... بتاريخُ من عيش الحياة المبرح
وذكر في القصيدة نفسها إبناً له سماه ( صمصامة) _ يبدو لي طريفاً بعض الشيء_ تركه صغيراً وذهب إلى كرمان مغترباً . وكان قد سافر إلى الكوفة وأقام بها وهناك أقبل على العلم والأدب والنحو وكان يروي شعر العرب ، وللكوفة منذ القدم شهرة في رواية الشعر واللغة .وروى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني أن الطرماح جلس في حلقة فيها رجل من بني عبس فأنشدة العبسي قول كثير في عبدالملك رحمة الله :
فكنت المعلَّى إذا أجليت قداحهم .... وجال المنيحُ وسطها يتقلقلُ
فقال الطرماح : أما إنه ما أراد أنه أعلاهم كعباً , ولكنه موه عليه في الظاهر وعنى في الباطن أنه السابع من الخلفاء الذين كان كثير لا يقول بإمامتهم ، لأنه أخرج علياً عليه السلام منهم . فإذا أخرجه كان عبدالملك السابع ، وكذلك المعلّى السابع من القداح .فلذلك قال ما قاله .. قال فعجبنا لمعنى قول كثير وقد ذهب على عبدالملك فضنه مدحا .
كان الطرماح محدثاً بارزاً وخطيباً مفوهاً وذكر الجاحظ ذلك في البيان ، وذكر الخطيب التبريزي أيضاً من عجيب ما روى من حديثه أنه قعد للناس وقال : اسألوني عن الغريب وقد أحكمته كله . فقال رجل ما معنى الطرماح ؟ فلم يعرفه ، وهذه الرواية تدل على معرفته باللغة وإن جهل معنى الطرماح .
انتقل بعد اقامته في الكوفة إلى كرمان ، ويبدو أنه شقي فيها ولقي الكثير هناك فشكا في بعض قصائدة شوقاً واغتراباً فقال :
فيا سلمَ لا تخشي بكرمان أن أرى .. أقسِّس أعراج السوام المروّح
ويمكن ان يكون هذا الأعرج من الإبل الذي يذكره تجارة ذهب بها أو عطية أعطيت له من أحدٍ هناك .
وقد كان يشكو الحاجة إلى المال فقال :
وشــيـبني ألا أزال مناهــظــاً ... بــغيــر ثـراً أثـرو به و أبوع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال ما أعصي به وأطيع
ثم رحل إلى قزوين في شمال بلاد فارس فقال في قصيدة له :
طربت وشاقك البرق اليماني ... بفج الريح ، فج القاقزان
أضوء البرق بت تشيم وهناً .... لقد دانيت ويحك غير دان
ألم تر أن عرفان الثريا ... يهيّج لي بقزوين احتزاني
ويبدو أنه كان شاباً صغيراً في هذه الفتره إذ يقول :
ويؤذنهم علىّ فتاء سني ... حنانك ربنا يا ذا الحنان
ثم حط رحاله في بلاد الريّ في وسط فارس ويمكن أنه كان يعود إلى الكوفة بعد كسب بعض المال .
كان متكبراً كثير الزهو بنفسة وذلك من أسباب تسميته وقال في أحد أبياته:
أنا الشمس لما أن تغيّب ليلها ... وغارت فما تبدو لعين نجومها
تراها عيون الناظرين إذا بدت .... قريباً ولا يسطيعها من يرومها
أجر خطاي في معد وطيءٍ ..... وأغشمها فَليَنه نفساً حليمها
ويروى أنه مر بمسجد في البصرة وهو يخطر في مشيته فقال رجل من هذا الخطار ؟ فسمعه فقال : أنا الذي يقول :
لقد زادني حباً لنفسي أنني ... بغيضٌ إلى كل إمريٍ غير طائل
إذا ما رآني قطّع الطرف بينه ... وبيني فعلَ العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتى كانها ... من الضيق في عينيه كفةُ حابل
.............
أجمعت الروايات على أن الطرماح كان يذهب مذهب الخوارج وبعض شعره يدل على ذلك. فقيصيدة واحدة ومقطوعتان اثنتان يبين فيهما مذهبه الخارجي , وقد فصل أبو الفرج الأصفهاني مسألة اعتناقة مذهب الخوارج فروى عن المدائني : ( قدم الطرماح بن حكيم الكوفة ، فنزل في بيت اللات بن ثعلبه وكان فيهم شيخاً من الشراه وله سمت وهيئة . وكان الطرماح يجالسة و يسمع منه ، فرسخ كلامه في قلبة ودعاه الشيخ إلى مذهبة فقبله وأعتقده أشد أعتقاد وأصحه حتى مات عليه ) ..
والشراة هم الخوارج إذا قالوا نحن الشراه لقوله عز وجل ( ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضات الله ) ..
وقال الجاحظ ( كان الطرماح خارجياً من الصفرية) ، وذلك أرجح من كونه خارجياً من الأزارقة لأن الأزارقة متشددون يرون الخروج للقتال فرض عليهم ولا يجيزون القعود وكان الصفرية ألين من الأزارقة ويجيزون القعود . فهو أي الطرماح من الصفرية لأنه لم ينفر للقتال . وهذا ما يفسر لنا سر العلاقة العجيبة بين الطرماح والكميت على اختلافهما في المذهب والنسب . فقد كان الطرماح خارجياً من الصفرية متعصباً لأهل الشام والكميت عدنانياً عصبياً متعصباً لأهل الكوفة ومع ذلك نمت بينهما صداقة عجيبة وغاية في المتانه والخصوصية وذكرها الجاحظ ووصفها بالصداقة المتينة .
مختارات من ديوان الطرماح
لحى الله قوماً أسلموا يوم بابل .... أبا خالدٍ تحت السيوف البوارق
فتى كان عند الموت أكرم منهم .... حفاظاً وأعطى للجياد السوابق
وأغير عند المحصنات إذا بدت .... بُـراهُــن واستعجلن شر النطائق
فقائلة تنعى يزيد وقائل .... سقى الله جزل السيب عف الخلائق
فلما نعى الناعي يزيد تزلزلت ... بنا الأرض , وارتجت بمثل الصواعق
فلا حملت أزدية بعد موته ... جنيناً ولا أملن سيب الغوادق
هذه الأبيات في رثاء أبي خالد يزيد بن المهلب بن أبي صفره القائد العربي المشهور .
لحى الله : أي قبح ولعن . ويوم بابل : هو يوم عقر بابل في العراق وفيه قتل خالد الذي خرج على يزيد بن عبدالملك الأموي فقتله مسلمه بن عبدالملك قاد الجيش الأموي
أغير : أي أغير في الدفاع عن المحصنات والبرى : جمع بُره وهي الخلخال وبدت براهن كناية عن تشمير النساء عن سوقهن للهروب عند الغارة والفزع . والنطائق : جمع نطاق وهو ما تشد به المرأة وسطها وهذا المعنى كناية عن العجلة في الهروب أيضاً جزيل السيب : أي عظيم العطاء
أزدية : قال أزيدة لأن يزيد من الأزد والسيب : العطاء ويريد المطر هنا والغوادق : السحاب الكثير الماء فشبه عطايا يزيد بالسحاب الغوادق .
وإني لمقتادٌ جوادي ، وقاذف .... به وبنفسي العام إحدى المقاذف
لأكسب مالاً أو أؤول إلى غنى .... من الله يكفيني عداة الخلائـــف
مخافة دنيا رثةٍ أن تُـمـيـلني ..... كما مال فيها الهالك المتجانـــف
فيا ربُ إن حانت وفاتي فلا تكن .... على شرجع يُـعلى بدُكن المطارف
ولكن أحن يومي شهيداً وعقبةً ... يصابون في فج من الأرض خائف
عصائب من شتّى ، يؤلف بينهم ... هدى الله ، نزالون عند الـمـواقف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
فأقتل قصعاً ، ثم يُرمى بأعظمي ... كضغث الخـلى بين الرياح العواصف
ويصبح قبري بطن نسرٍ مقيلة ... بجو السماءِ في نسور عــوائـــــف
هذه هي القصيدة التي حركت في داخلي حب استكشاف هذا الشاعر تأمل فيها أخي العزيز وستجد أن فيها الكثير مما ينسحب على بعض ما نعيشه هذه الأيام فهو يقول أنه سيقتاد جوادة ويقذف بنفسه في أحد المهالك و كأنه يريد أن يقوم بعمل بطولي ينتهي بموته .عجبت كثيراً لما في هذه القصيدة فقررت أن أبحث عن الشاعر ولعلي قدمت لكم بعض ما وجدت في ديوانه دون الكثير من الزيادة . وهذا شرح لبعض المعاني الواردة في القصيدة .
المقاذف : المهالك العداة :جمع العادي وهو العدو الخلائف : جمع خليفة وعداة الخلائف : من إضافة الصفة إلى الموصوف وأصلة الخلائف العداة .
الرثة : البالية الخسيسة المتجانف : من متجانف لإثم إذا مال إلية . الشرجع : السريرالذي يحمل عليه الميت وهو النعش والمطارف ثوب مربع من خزّ الدكن: اي داكن اللون وراواه الأصفهاني بخضر المطارف
أحن : من أحان يحين ويومي : يقصد يوم وفاته الفج : الطريق الواسع بين جبلين
القعص: الموت السريع الخلى: الرطب من الحشيش وضغث الخلى: القبضة منه
مقيلة: أي مكانه هاهنا العوائف: الطير التي تحوم على الماء وعلى الجيف.
مات الطرماح في الكوفة في شيخوخه وادعة ولم يمت في ميدان المعركة كما كان يشتهي حين قال فيا رب إن حانت وفاتي ..
أورد الأصفهاني في كتاب الأغاني عن شبرمة في موت الطرماح قال : كان الطرماح لنا جليساً ففقدناه أياماً كثيرة . فقمنا بأجمعن لننظر ما فعل ، وما دهاه فلما كنا قريباً من منزله إذا نحن بنعش عليه مطرف أخضر . فقلنا لمن هذا النعش ؟ فقيل هذا نعش الطرماح فقلنا والله ما استجاب الله تعالى له حيث قال: وإني لمقتاد جواد فقاذف ......
وهل لليالينا بذي الرمث مرجع .. فتشفى جوى الأحزان من لاعج الوجد
عندما كنت في المرحلة الإبتدائية كان من ضمن المقررات التي يتطلب منا حفظها قصيدة جميلة لشاعر عرفت فيما بعد أنه من قادة الخوارج الأزارقة ولم يكن ذلك الشاعر سوى ( قطري بن الفجاءة ) وقال قصيدته تلك يحث نفسة فيها على الصبر والتجلد في مواجهة الموت فقال في مطلعها :
أقول لها وقد طارت شعاعاً * من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو طلبت بقاء يومٍ * على الأجل الذي لك لن تطاعي
فصبراً في مجال الموت صبراً * فما نيل الخلود بمستطاعي
ثم مرت بي الأيام حتى التقيت بقصيدة أخرى جميلة كانت أيضاً لشاعر من شعراء الخوارج - أرجو أن لا يعطي ذلك إنطباعاً سيئاً- وكان الشاعر هذة المرة هو الطرماح بن حكيم ..
هو الحكم بن حكيم بن الحكم بن نقر بن قيس بن جحدر بن ثعلبة بن عبد رضا . كنيته أبو نقر وأبا ضبيبه أيضاً .
والطرماح لقب عرف به الشاعر حتى غلب على اسمه الأصلي فاشتهر به منذ القديم والطرماح تعني الطويل المرتفع، وتعني كذلك الرافع رأسة زهواً وربما لقب بذلك لكونه كان يرفع رأسة زهواً ومن هذا المعنى الأخير أخذ لقب الطرماح .
وقد سئل حفيدة لم سمي جدك الطرماح ؟ وما الطرماح في كلام العرب ؟
فقال : أما في كلامنا معشر طيى فإنه الحية الطويل .
زوجته ذكرها في قصيدة له وسماها سَلمَ و سلمة وسماها الزمخشري سليمة . وسلم ترخيم سلمة ، وربما سلمى فقد كان كثير الحديث عن سلمى في غزله . ويبدو أنه كان يحبها كثيراً فقال :
كأن فؤداي بين أظفار طـــــائر .. إذا سنحت ذكراك من كل مسنح
وذكراك مالم تسعف الدار بيننا ... بتاريخُ من عيش الحياة المبرح
وذكر في القصيدة نفسها إبناً له سماه ( صمصامة) _ يبدو لي طريفاً بعض الشيء_ تركه صغيراً وذهب إلى كرمان مغترباً . وكان قد سافر إلى الكوفة وأقام بها وهناك أقبل على العلم والأدب والنحو وكان يروي شعر العرب ، وللكوفة منذ القدم شهرة في رواية الشعر واللغة .وروى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني أن الطرماح جلس في حلقة فيها رجل من بني عبس فأنشدة العبسي قول كثير في عبدالملك رحمة الله :
فكنت المعلَّى إذا أجليت قداحهم .... وجال المنيحُ وسطها يتقلقلُ
فقال الطرماح : أما إنه ما أراد أنه أعلاهم كعباً , ولكنه موه عليه في الظاهر وعنى في الباطن أنه السابع من الخلفاء الذين كان كثير لا يقول بإمامتهم ، لأنه أخرج علياً عليه السلام منهم . فإذا أخرجه كان عبدالملك السابع ، وكذلك المعلّى السابع من القداح .فلذلك قال ما قاله .. قال فعجبنا لمعنى قول كثير وقد ذهب على عبدالملك فضنه مدحا .
كان الطرماح محدثاً بارزاً وخطيباً مفوهاً وذكر الجاحظ ذلك في البيان ، وذكر الخطيب التبريزي أيضاً من عجيب ما روى من حديثه أنه قعد للناس وقال : اسألوني عن الغريب وقد أحكمته كله . فقال رجل ما معنى الطرماح ؟ فلم يعرفه ، وهذه الرواية تدل على معرفته باللغة وإن جهل معنى الطرماح .
انتقل بعد اقامته في الكوفة إلى كرمان ، ويبدو أنه شقي فيها ولقي الكثير هناك فشكا في بعض قصائدة شوقاً واغتراباً فقال :
فيا سلمَ لا تخشي بكرمان أن أرى .. أقسِّس أعراج السوام المروّح
ويمكن ان يكون هذا الأعرج من الإبل الذي يذكره تجارة ذهب بها أو عطية أعطيت له من أحدٍ هناك .
وقد كان يشكو الحاجة إلى المال فقال :
وشــيـبني ألا أزال مناهــظــاً ... بــغيــر ثـراً أثـرو به و أبوع
أمخترمي ريب المنون ولم أنل ... من المال ما أعصي به وأطيع
ثم رحل إلى قزوين في شمال بلاد فارس فقال في قصيدة له :
طربت وشاقك البرق اليماني ... بفج الريح ، فج القاقزان
أضوء البرق بت تشيم وهناً .... لقد دانيت ويحك غير دان
ألم تر أن عرفان الثريا ... يهيّج لي بقزوين احتزاني
ويبدو أنه كان شاباً صغيراً في هذه الفتره إذ يقول :
ويؤذنهم علىّ فتاء سني ... حنانك ربنا يا ذا الحنان
ثم حط رحاله في بلاد الريّ في وسط فارس ويمكن أنه كان يعود إلى الكوفة بعد كسب بعض المال .
كان متكبراً كثير الزهو بنفسة وذلك من أسباب تسميته وقال في أحد أبياته:
أنا الشمس لما أن تغيّب ليلها ... وغارت فما تبدو لعين نجومها
تراها عيون الناظرين إذا بدت .... قريباً ولا يسطيعها من يرومها
أجر خطاي في معد وطيءٍ ..... وأغشمها فَليَنه نفساً حليمها
ويروى أنه مر بمسجد في البصرة وهو يخطر في مشيته فقال رجل من هذا الخطار ؟ فسمعه فقال : أنا الذي يقول :
لقد زادني حباً لنفسي أنني ... بغيضٌ إلى كل إمريٍ غير طائل
إذا ما رآني قطّع الطرف بينه ... وبيني فعلَ العارف المتجاهل
ملأت عليه الأرض حتى كانها ... من الضيق في عينيه كفةُ حابل
.............
أجمعت الروايات على أن الطرماح كان يذهب مذهب الخوارج وبعض شعره يدل على ذلك. فقيصيدة واحدة ومقطوعتان اثنتان يبين فيهما مذهبه الخارجي , وقد فصل أبو الفرج الأصفهاني مسألة اعتناقة مذهب الخوارج فروى عن المدائني : ( قدم الطرماح بن حكيم الكوفة ، فنزل في بيت اللات بن ثعلبه وكان فيهم شيخاً من الشراه وله سمت وهيئة . وكان الطرماح يجالسة و يسمع منه ، فرسخ كلامه في قلبة ودعاه الشيخ إلى مذهبة فقبله وأعتقده أشد أعتقاد وأصحه حتى مات عليه ) ..
والشراة هم الخوارج إذا قالوا نحن الشراه لقوله عز وجل ( ومن الناس من يشري نفسه إبتغاء مرضات الله ) ..
وقال الجاحظ ( كان الطرماح خارجياً من الصفرية) ، وذلك أرجح من كونه خارجياً من الأزارقة لأن الأزارقة متشددون يرون الخروج للقتال فرض عليهم ولا يجيزون القعود وكان الصفرية ألين من الأزارقة ويجيزون القعود . فهو أي الطرماح من الصفرية لأنه لم ينفر للقتال . وهذا ما يفسر لنا سر العلاقة العجيبة بين الطرماح والكميت على اختلافهما في المذهب والنسب . فقد كان الطرماح خارجياً من الصفرية متعصباً لأهل الشام والكميت عدنانياً عصبياً متعصباً لأهل الكوفة ومع ذلك نمت بينهما صداقة عجيبة وغاية في المتانه والخصوصية وذكرها الجاحظ ووصفها بالصداقة المتينة .
مختارات من ديوان الطرماح
لحى الله قوماً أسلموا يوم بابل .... أبا خالدٍ تحت السيوف البوارق
فتى كان عند الموت أكرم منهم .... حفاظاً وأعطى للجياد السوابق
وأغير عند المحصنات إذا بدت .... بُـراهُــن واستعجلن شر النطائق
فقائلة تنعى يزيد وقائل .... سقى الله جزل السيب عف الخلائق
فلما نعى الناعي يزيد تزلزلت ... بنا الأرض , وارتجت بمثل الصواعق
فلا حملت أزدية بعد موته ... جنيناً ولا أملن سيب الغوادق
هذه الأبيات في رثاء أبي خالد يزيد بن المهلب بن أبي صفره القائد العربي المشهور .
لحى الله : أي قبح ولعن . ويوم بابل : هو يوم عقر بابل في العراق وفيه قتل خالد الذي خرج على يزيد بن عبدالملك الأموي فقتله مسلمه بن عبدالملك قاد الجيش الأموي
أغير : أي أغير في الدفاع عن المحصنات والبرى : جمع بُره وهي الخلخال وبدت براهن كناية عن تشمير النساء عن سوقهن للهروب عند الغارة والفزع . والنطائق : جمع نطاق وهو ما تشد به المرأة وسطها وهذا المعنى كناية عن العجلة في الهروب أيضاً جزيل السيب : أي عظيم العطاء
أزدية : قال أزيدة لأن يزيد من الأزد والسيب : العطاء ويريد المطر هنا والغوادق : السحاب الكثير الماء فشبه عطايا يزيد بالسحاب الغوادق .
وإني لمقتادٌ جوادي ، وقاذف .... به وبنفسي العام إحدى المقاذف
لأكسب مالاً أو أؤول إلى غنى .... من الله يكفيني عداة الخلائـــف
مخافة دنيا رثةٍ أن تُـمـيـلني ..... كما مال فيها الهالك المتجانـــف
فيا ربُ إن حانت وفاتي فلا تكن .... على شرجع يُـعلى بدُكن المطارف
ولكن أحن يومي شهيداً وعقبةً ... يصابون في فج من الأرض خائف
عصائب من شتّى ، يؤلف بينهم ... هدى الله ، نزالون عند الـمـواقف
إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى ... وصاروا إلى موعود ما في المصاحف
فأقتل قصعاً ، ثم يُرمى بأعظمي ... كضغث الخـلى بين الرياح العواصف
ويصبح قبري بطن نسرٍ مقيلة ... بجو السماءِ في نسور عــوائـــــف
هذه هي القصيدة التي حركت في داخلي حب استكشاف هذا الشاعر تأمل فيها أخي العزيز وستجد أن فيها الكثير مما ينسحب على بعض ما نعيشه هذه الأيام فهو يقول أنه سيقتاد جوادة ويقذف بنفسه في أحد المهالك و كأنه يريد أن يقوم بعمل بطولي ينتهي بموته .عجبت كثيراً لما في هذه القصيدة فقررت أن أبحث عن الشاعر ولعلي قدمت لكم بعض ما وجدت في ديوانه دون الكثير من الزيادة . وهذا شرح لبعض المعاني الواردة في القصيدة .
المقاذف : المهالك العداة :جمع العادي وهو العدو الخلائف : جمع خليفة وعداة الخلائف : من إضافة الصفة إلى الموصوف وأصلة الخلائف العداة .
الرثة : البالية الخسيسة المتجانف : من متجانف لإثم إذا مال إلية . الشرجع : السريرالذي يحمل عليه الميت وهو النعش والمطارف ثوب مربع من خزّ الدكن: اي داكن اللون وراواه الأصفهاني بخضر المطارف
أحن : من أحان يحين ويومي : يقصد يوم وفاته الفج : الطريق الواسع بين جبلين
القعص: الموت السريع الخلى: الرطب من الحشيش وضغث الخلى: القبضة منه
مقيلة: أي مكانه هاهنا العوائف: الطير التي تحوم على الماء وعلى الجيف.
مات الطرماح في الكوفة في شيخوخه وادعة ولم يمت في ميدان المعركة كما كان يشتهي حين قال فيا رب إن حانت وفاتي ..
أورد الأصفهاني في كتاب الأغاني عن شبرمة في موت الطرماح قال : كان الطرماح لنا جليساً ففقدناه أياماً كثيرة . فقمنا بأجمعن لننظر ما فعل ، وما دهاه فلما كنا قريباً من منزله إذا نحن بنعش عليه مطرف أخضر . فقلنا لمن هذا النعش ؟ فقيل هذا نعش الطرماح فقلنا والله ما استجاب الله تعالى له حيث قال: وإني لمقتاد جواد فقاذف ......